فصل أطفال المهاجرين... آثار نفسية سيئة

فصل أطفال المهاجرين... آثار نفسية سيئة

رغم أنه يهدف أساساً إلى توفير الرعاية الطبية اللازمة لهم
الجمعة - 23 شوال 1439 هـ - 06 يوليو 2018 مـ رقم العدد [ 14465]
القاهرة: د.هاني رمزي عوض
القرارات الأخيرة للإدارة الأميركية للحد من الهجرة غير الشرعية أثارت العديد من ردود الفعل على كل الأصعدة، ومنها الصعيد الطبي، حيث إن السلطات التي كانت توقف المهاجرين في أماكن الاحتجاز كانت تقوم بفصل الأطفال عن الأبوين، حتى يتسنى للأطفال الحصول على قدر أكبر من الرعاية والاهتمام الطبي والاجتماعي بعيداً عن الظروف القاسية للآباء لحين تسوية أوضاعهم بشكل قانوني، أو ترحيلهم من البلاد. وعلى الرغم من أن هذه الخطوة ربما تعالج الأطفال الذين يعانون من متاعب عضوية، لعل أهمها سوء التغذية والإصابة بأنواع العدوى المتعددة، إلا أن فصل الأطفال عن ذويهم يترك بالطبع آثاراً نفسية شديدة السلبية على الأطفال، ربما تستمر بشكل مزمن على المدى الطويل.
- قلق مدمر
كان الأطباء قد حذروا من أن فصل العائلات سوف يؤدي إلى مشاكل نفسية عنيفة لدى الأطفال المهاجرين، وأوضحوا أن الطفل كلما تعرض لضغوط نفسية في وقت مبكر كلما زادت فرص إصابته بما يمكن أن يسمى «القلق المدمر أو غير الحميد» (toxic stress)، وهو الذي يمكن أن يصيب الإنسان بالمشاكل النفسية لاحقاً في الحياة، فضلاً عن الإصابة بأمراض عضوية نفسية المنشأ.
ويختلف هذا القلق عن القلق العادي الذي يعتبر رد فعل طبيعياً تجاه أي أحداث خطيرة يمكن أن يتعرض لها إنسان بشكل عام، مثل تجربة الامتحان أو السفر بالطائرة للمرة الأولى أو حدوث حريق، فهذا القلق يكون مؤقتاً، وبالتالي فإن آثاره النفسية مؤقتة. ولكن في حال تعرض الإنسان، خصوصاً الطفل، للقلق لفترات طويلة مثل الحروب أو العيش في أسرة فقيرة أو المعاملة السيئة من الأهل، فإنه يترك آثاره النفسية المزمنة على الطفل.
وتكمن المشكلة الأساسية للقلق في أنه يمثل الآلية التي يتم من خلالها تحفيز الإنسان لمواجهة واستقبال الخطر، بمعنى إفراز الهرمونات التي تقوم برفع الضغط، وسرعة النبض، وشدة التركيز، ومنها هرمون الكورتيزول (cortisol). وتعود هذه الهرمونات إلى مستواها الطبيعي بعد زوال الخطر. وفي الحالات المزمنة تترك هذه الهرمونات آثاراً عضوية على الإنسان، مثل التهاب المعدة وارتفاع ضغط الدم وزيادة احتمالية حدوث مرض السكري من النوع الثاني، وأيضاً أمراض القلب واضطرابات النوم.
وتكون المناطق العصبية في القشرة المخية (prefrontal cortex) هي أكثر المناطق التي تتأثر بالارتفاع الهرموني، وهذه المناطق هي المسؤولة عن المهارات الإدراكية المختلفة للإنسان والعواطف أيضاً، ولذلك يكون للأحداث ذات الطابع المأساوي أثر واضح على الأداء الدراسي للأطفال.
- تأثيرات على المخ
وأوضح الأطباء أن وجود الطفل مع عائلته، ودعمها له بالحب، يجعله أكثر قدرة على مواجهة القلق المزمن (chronic stress)، وبالتالي لا يترك الأثر العنيف نفسه الذي يتركه إذا كان الطفل وحيداً من دون أسرته حتى لو تلقى عناية طبية جيدة. وهو ما أكدته دراسة أميركية حديثة في العام الماضي تم إجراؤها على الأطفال من بيئات فقيرة، ولكن بين أبوين متحابين، أثناء تلقيهم التطعيم، وتبين أن أثر القلق عليهم أقل حدة من الأطفال الذين تم توفير أسرة بديلة لهم.
وأوضح باحثون من جامعة «هارفارد» أن القلق غير الحميد يمكن أن يغير من تركيب المخ نفسه، حسب دراسة أجزاء المخ من خلال أشعة الرنين المغناطيسي في المناطق المسؤولة عن الأحاسيس والمشاعر، خصوصاً أن مخ الأطفال يكون في حالة نمو سريع قبل عمر الثالثة؟ وحدوث هذه التغيرات الفسيولوجية في هذا الوقت، ربما يسبب أضراراً عصبية ونفسية لاحقاً على الطفل. ومع الوضع في الحسبان أن هؤلاء الأطفال تلقوا بالفعل صدمة نفسية (trauma) جراء ترك منازلهم في الوطن الأم في محاولة الهجرة، وهو الأمر الذي يجعلهم أقل قدرة على مقاومة المزيد من الصدمات النفسية. وما يزيد الأمر سوءاً أن حالة الأطفال النفسية السيئة أثناء الوصول للحدود ربما تزيد من فرص فصلهم عن الآباء بغرض علاجهم من الاضطراب النفسي نتيجة للظروف القاسية أثناء الرحلة.
وكانت الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال (AAP) وغيرها من المنظمات النفسية قد حذرت في العام الماضي من خطورة احتجاز الأطفال في أماكن الاحتجاز للمهاجرين غير الشرعيين، لما يمكن أن يتعرضوا له من صدمة نفسية، واستنكرت سياسة الفصل التي تقوم بها السلطات حالياً. وأوضحت أنه حتى الأطفال المصابين بأمراض عضوية يمكنهم تلقي العلاج والعناية اللائقة في وجود الأهل، وأن الحالة النفسية الجيدة للأطفال سوف تساعدهم في التحسن العضوي، وهو الأمر الذي حذا بالمحكمة الفيدرالية لإصدار قرار بإعادة هؤلاء الأطفال لأسرهم مرة أخرى في خلال 30 يوماً. ولكن الأكاديمية حذرت من أن الضرر يكون قد وقع بالفعل على الطفل حتى في حال إعادته للأسرة مرة أخرى، وأن قضاء فترة الشهر ربما يترك آثاراً نفسية سيئة يمكن تجنبها من البداية بعدم الفصل.
وأوضحت المنظمات النفسية في الولايات المتحدة أنه بعد إعادة الأطفال لأسرهم، يجب أن يخضع جميع أفراد العائلة للعلاج النفسي، وتأهيلهم للتغلب على الصدمة النفسية (trauma - informed) التي مروا بها بداية من قرار الرحيل من موطنهم الأصلي، وأن الآباء نفسهم ربما يكونون غير مؤهلين نفسياً لتربية الأبناء بشكل سليم بعد ذلك نتيجة لشعورهم بالذنب تجاه أطفالهم، وأيضاً لإحساسهم بالإخفاق والعجز عن توفير حياة أفضل للأبناء. وهو ما يعني أن القرار ربما تكون له تبعات على الجانب النفسي أشد أثراً من الجانب السياسي والاقتصادي، ويجب على المنظمات الطبية المختلفة تقديم الدعم النفسي الكافي للأسر، وبشكل خاص الأطفال، سواء الذين تم فصلهم بالفعل أو الذين عادوا لأسرهم.
- استشاري طب الأطفال
مصر مهاجرون

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة