نعم، التطفل ما زال بيننا، والطفيليون ما انفكوا يدبون عندنا. تكفي زيارة واحدة لمطاعم الدرجة الأولى وحفلات المناسبات المختلفة لنرى واقع ذلك. هذا من جهة؛ ولكننا نجد من الجهة الأخرى، أنهم متأخرون في أساليبهم ولم يواكبوا تطورات عصرنا. صحيح أن أكثرهم يعتمد على قراءة الصحف اليومية بدلاً من مجرد السماع... تجد أحدهم يبدأ نهاره بشراء جريدة يقرأها من الخلف؛ أي من اليسار. لا يعني هذا أن ثقافته إنجليزية واعتاد القراءة من اليسار... كل ما في الأمر أن أنباء الأعراس والاحتفالات والوفيات ومجالس الفاتحة والمآتم، حيث تذبح الذبائح وتقام الموائد وتوزع الصدقات، تنشر عادة في الصفحات الأخيرة من الجرائد المحلية اليومية والمسائية.
هذا كله صحيح وينم عن فهم دقيق لمهمة الصحافة. ولكنه فهم قصير النظر ومتأخر عن مواكبة التطور. وكثيراً ما يهلك الطفيلي جوعاً انتظاراً لمأتم جيد لغني معروف. ويقضي أحيانا أشهراً دون أن يحظى بشيء يستحق الأكل. فمن المعروف والثابت أن الأغنياء لا يموتون بسرعة. وخلال هذا الترقب والانتظار المرّ تكون السفارات المختلفة قد أقامت مئات الحفلات لشتى المناسبات، أو بلا مناسبات، دون أن يلتفت إليها الطفيلي المعتاد. الحفلات الدسمة والموائد السخية والأكلات الشهية تقدمها السفارات والبعثات وشركات الطيران ونحوها من المؤسسات التي تعدّ تبذير الأموال دليلاً على النجاح.
وفي حين يقضي الطفيليون التقليديون حياتهم على فتات الموائد التقليدية للمآتم وحفلات الختان، بأطباقها الرتيبة المملة؛ رز ومرق باميا وبصل أخضر، توجد هذه الولائم الدبلوماسية ذات الألوان والأفنان؛ كافيار، ولحمة ستروغانوف عند السفارة الروسية، وبط على سفرجل في السفارة الصينية، وبربغيون عند السفارة الفرنسية... إلى آخر ذلك من التنويع والإغراء.
وماذا عن ولائم الحفلات الانتخابية؟ كم من الطفيليين انتبه إلى إمكانات هذا التطور العصري في توفير أكلات غنية لكل من هبّ ودبّ. وكل ذلك دون أن نشير إلى الاحتفالات الوطنية؛ احتفالات النصر والثورة، ومهرجانات الشعر والموسيقى... هذه كلها أيضاً تغص بالموائد والمقاصف والمناسف السخية.
كيف يستطيع الطفيلي التقليدي أن يسمع بها ويشق طريقه إليها؟ هذا موضوع قصرت الصحف الوطنية عن معالجته وتوجيه الأنظار إليه. ومن زاويتي المتواضعة أنصح سائر الطفيليين بأن ينتقلوا من قراءة الصفحات الأخيرة إلى قراءة الصفحات الأمامية ويتابعوا جلائل الأحداث. وسيجد الطفيلي الذكي أن الانتماء إلى الأحزاب السياسية والمنظمات الوطنية يساعد على تقفي أنباء كل هذه المناسبات والولائم، والحصول على شروط حضورها وعلى بطاقات الانتماء لكل هذه المؤسسات وتذاكر الدخول لفعالياتها. وعلى الطفيلي النابه أن يدرك أن العضوية لا تكلف أكثر من بضعة جنيهات قليلة سنوياً، وأين ذلك بالنسبة لحضور وليمة واحدة من ولائم المنظمة أو المؤسسة أو السفارة الأجنبية؟! هذا ما أقوله لقدامى الطفيليين. عليكم رفع مستواكم ومواكبة الزمن وما يذخر به من أطايب الطعام ونوادر الشراب.
9:11 دقيقه
TT
التطفل ما زال بيننا
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
