شبح الطائفية يهدد العراق مجدداً

شبح الطائفية يهدد العراق مجدداً

الثلاثاء - 6 شوال 1439 هـ - 19 يونيو 2018 مـ رقم العدد [14448]
مينا العريبي
مساعدة رئيس التحرير السابقة، عملت مديرة مكتب «الشرق الأوسط» في واشنطن بين عامي 2009- 2011 وهي الان رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال» الإماراتية
جاء خبر تحالف رجل الدين العراقي مقتدى الصدر مع الزعيم الفعلي للحشد الشعبي العراقي هادي العامري، الأسبوع الماضي، ليضرب آمال من كان يطمح لإخراج العراق من الاصطفافات الطائفية المقيتة. هذا التحالف يقلب توقعات كثيرين فيما يخص نتائج الانتخابات العراقية الأخيرة. فخلال الحملة الانتخابية، كانت لائحة «سائرون»، التي يقودها الصدر مع تحالف من الفئات العراقية المختلفة، تنادي بالوقوف مع الدولة المدنية ورفض حمل السلاح خارج الدولة، ما يتنافى مع ما تمثله لائحة «الفتح» التي تضم فصائل من الحشد الشعبي، والتي ترفض فكرة تسليم السلاح، وإنما تنادي بإبقاء قوة الحشد الشعبي. كما أن «الفتح» هي بشكل كبير مكونة من أحزاب شيعية إسلامية مقربة من إيران لا تدعو إلى الدولة المدنية.
بعد شهر من إجراء الانتخابات التشريعية التي جرت في العراق، لم يبق إلا القليل من التفاؤل الحذر الذي ساد حينها. فتقدم الصدر بالأصوات وكلامه الأولي عن تشكيل حكومة تكنوقراط، بناء على تحالفات مع أطياف مختلفة، مثل بادرة حسنة وأرضية للخروج من أزمة إدارة البلاد. وكتبت قبل أسبوعين في هذا العمود عن «فرصة نادرة» للخروج بحكومة بعيدة عن الاعتبارات الطائفية، والتركيز على بناء مؤسسات الدولة على أيدي وزراء مختصين وتكنوقراط. ولكن حذرت أيضاً من أنها فرصة «قد تضيع»... وها هي على أبواب أن تضيع، وشبح الطائفية يبدو عنيداً.
هناك من يقول بأنه لا يمكن تجاهل إشراك «الفتح» في الحكومة الجديدة، بعد حصولها على ثاني أكبر عدد من المقاعد في البرلمان. ولكن هذا ليس عذراً، إذ إن «الفتح» توجهاتها تناقض التوجهات المعلنة لـ«سائرون»، والتي على أساسها تم التصويت لكل منهما. وكان موقف الصدر المعارض لحمل الميليشيات للسلاح ورفض المحاصصة الطائفية من أبرز المواقف التي زادت من شعبيته بين العراقيين، بغض النظر عن تحفظهم على سلوكيات بعض من أتباعه؛ إلا أنه اليوم يتحالف مع أبرز مجموعة تصر على إبقاء السلاح خارج سيطرة الحكومة.
كثيرون عتبوا، وآخرون سخروا، ممن عبر عن تفاؤل حذر من قدرة الصدر على قلب موازين الحكم في العراق. ولكن من حق العراقيين أن يأملوا وأن يبحثوا عن فرص للخروج من حالة الاضطراب التي نتجت عن الاصطفاف الطائفي في البلاد. فهذا التخندق الطائفي لا يعكس الواقع الاجتماعي الحقيقي؛ بل يعكس الواقع السياسي الذي خلفته حرب عام 2003، ومن استفاد من وضع أسس النظام السياسي الجديد للعراق.
حاولت مجموعة من العراقيين منذ سنوات أن تتفادى استخدام التسميات الطائفية، ووصف مجموعة بـ«شيعية» أو «سنية» أو غيرها، إذ إن المشهد معقد، وتبسيط الأمور يؤدي فقط إلى السطحية. ولكن في الواقع، ماذا يجمع بين الصدر والعامري غير أنهما رجلان يؤمنان بالإسلام السياسي الشيعي؟
المشاورات مستمرة بين الكتل المختلفة، ودخلت الآن مرحلة ترجيح أسماء شخصيات سياسية يمكن أن تشكل الحكومة المقبلة. ولكن هذه تأويلات من المبكر الاعتماد عليها، وعدد ليس قليلاً من الأسماء تطرح لتكون أقرب إلى بالونات اختبار لجس نبض الكتل السياسية الأخرى والدول ذات النفوذ في العراق. هناك أسماء تطرح لتولي مناصب أخرى في الدولة.
في الواقع، من الصعب على كثير من المستقلين والتكنوقراط المشاركة في حكومة ذات توجه طائفي. وهذه هي المشكلة التي حالت دون انخراط كثير من الكفاءات العراقية في الحكومات السابقة. وكأنها حلقة مفرغة، الساسة يطالبون بتكنوقراط ويعتبون على من يبقى خارج دائرة الحكم، ولكن من يشترك في الحكومة يخشى من أن يجرد من الهوية المهنية، وتتم تزكيته من أحد الأحزاب المبنية على اعتبارات طائفية أو إثنية.
فما الحل؟ ما المخرج للحد من تسييس الدين والطائفة؟ هناك عدة خطوات يبقى العراق في حاجة إليها، على رأسها إقرار الساسة والمتنفذين في العراق أن المحاصصة الطائفية والانقسامات المذهبية والإثنية ستمنع البلد من التقدم مهما كان، ولن تسمح له بالخروج من حلقة الأزمات. كما أن العراق بحاجة إلى معارضة فعالة تستطيع طرح الحلول البديلة بجدية. إحدى مشكلات العراق اليوم انعدام معارضة فعالة لا تحمل السلاح. وحمل السلاح لا يؤدي إلا إلى الضرر بالشعب والدولة. وهناك حاجة لنمو وتعزيز نهج خدمة الشعب في صلب العمل العام، بدلاً من المصالح الحزبية أو الشخصية.
النقاشات السياسية حول تشكيل الحكومة في العراق لا تجري بمعزل عن الواقع الصعب اليومي في البلاد. فمن جهة هناك تهديد تركي بقطع المياه مجدداً عن دجلة، ومن جهة أزمة الكهرباء تشتد مع شدة الصيف. وما زال خطر الإرهابيين قائماً؛ خاصة أن زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي ما زال طليقاً. وهناك معاناة العراقيين الذين يحسون بغربة داخل بلادهم، بعد أن شردتهم «داعش» من دورهم ومدنهم، أو المعارك لدحر «داعش»، وبعد أن هجر آخرون بسبب الاقتتال الطائفي. وتتزامن النقاشات السياسية مع مرور عام على تحرير الموصل من «داعش».
وبينما انشغل الساسة بالمناورات السياسية، ذكرت الممثلة الأميركية أنجلينا جولي العالم هذا الأسبوع، باستمرار معاناة أهالي الموصل، وخاصة الساحل الأيمن من المدينة. وقالت إن ما رأته هناك أسوأ من أي وضع آخر رأته خلال جولاتها سفيرة للنوايا الحسنة للأمم المتحدة، بما في ذلك مآسي سوريا وميانمار. وزيارة جولي تتزامن مع أسبوع من الفعاليات حول اليوم العالمي للاجئين، الذي يصادف 20 يونيو (حزيران). هذا اليوم العالمي الذي يمس حياة الملايين من العراقيين والسوريين والليبيين واليمنيين، وبالطبع يمس حياة الفلسطينيين وغيرهم.
من المفارقات أن كثيراً من ساسة العراق اليوم كانوا من لاجئي الأمس. عاشوا معاناة التشريد والتهجير في السابق. كان المتضررون من نظام الرئيس العراقي السابق صدام حسين يحلمون باليوم الذي يأتي فيه من يشعر بمعاناتهم، ويمنع تشريد العراقيين من جديد. ولكن بعد 15 عاماً من إسقاط نظام صدام حسين، بات هناك نحو 4 ملايين عراقي مشردين داخل بلادهم، وملايين اللاجئين العراقيين خارجه، بعضهم انتقل إلى دول أخرى وتجنس ونسي أمر العودة، وآخرون ما زالوا ينتظرون الفرصة للعودة إلى دورهم للعيش بكرامة وأمان. فهل الحكومة المقبلة، بناء على التحالفات التي ذكرت، قادرة على حماية هؤلاء وتحقيق طموحات المواطن الذي يتمنى حكومة عراقية وطنية عابرة للطائفية والعرقية والجهوية؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة