فوازير رمضان في الانتخابات العراقية

فوازير رمضان في الانتخابات العراقية

الأحد - 6 شهر رمضان 1439 هـ - 20 مايو 2018 مـ رقم العدد [14418]
داود الفرحان
كاتب عراقي
يحفل الأدب التراثي العربي بما يُعرف بـ«أدب الألغاز» أو «الفوازير» باللهجة العامية المصرية أو «الحزورات» باللهجة العراقية أو «الغطاوي» و«الحزاية» في الكويت أو «الحزيرة» والألغاز و«الأحاجي» في السعودية والسودان والجزائر والمغرب وليبيا أو «الألغاز» في تونس. وشاعت «الفوازير» منذ بداية عصر التلفزيون في الدول العربية وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من برامج رمضان، ومن أبرز نجومها نيللي وشيريهان وسمير غانم. والجديد في التعليم العالي المصري مناقشة أطروحة لطالبة عن الفوازير، وأطروحة أخرى لطالب عن الألغاز الشعبية في مصر.
على أي حال، هذا المقال ليس بحثاً في موضوع «الفوازير»، لكني أقدم لقراء الآراء السياسية هذا النموذج غير السياسي من الألغاز ثم أدخل في الموضوع:
مواطن عراقي شاهد مواطناً آخر يريد الانتحار، فسأله: لماذا تنتحر؟ فرد عليه: قصتي أوصلتني إلى الجنون. فقد تزوجتُ من امرأة أرملة معها بنت من زوجها المتوفى. ونالت الفتاة إعجاب والدي فتزوجها فصرتُ عم أبي من بنت زوجتي! وبعد أقل من عام خلّف والدي من بنت زوجتي فأصبح الطفل أخي من أبي وحفيدي من زوجتي لأنها أصبحت جدته. ثم ولدت زوجتي مني فصار حفيداً لأبي، وأبي في الوقت نفسه نسيب الطفل لأنه أخو زوجة أبي. وصار ابني خال ابن أبي لأنه أخو أمه! وصار ابن أبي عم ابني لأن ابن أبي أخي! واكتشفتُ في النهاية أنني أصبحت حفيد نفسي وجد نفسي!
أدار المواطن العراقي الأول ظهره للثاني الذي كان ينوي الانتحار قائلاً: الحق عليّّ، كما قال عادل إمام لأني سألتك عن سبب انتحارك، اذهب وانتحر وادخل إلى الجحيم أنت وحفيدك على هذه «الحزورة» التي لا رأس لها ولا رجل!
لغز جديد في الانتخابات العراقية بعد أن تحالف الأضداد و«الإخوة الأعداء» الذين كتب روايتهم في عام 1880 الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي بعنوان «الإخوة كارامازوف». كل المتحالفين يكره بعضهم بعضاً، وقال بعضهم في بعض كلاما كثيراً.
منذ 2003 حتى اليوم لم يتوقف السياسيون العراقيون ساعة واحدة عن انتقاد بعضهم بعضاً إلى حد إسباغ كل الألفاظ الوضيعة عليه. كيف اجتمعوا اليوم وتحالفوا واتفقوا على ألا يتفقوا؟
امسك رأس الخيط معي في هذا التحليل «الفزوري الحزوري» نسبة إلى الفوازير والحزورات كما توصل إليه أحد «علماء» الأحاجي والألغاز: نال تحالف «سائرون» (إلى أين؟) أعلى الأصوات، وهو بقيادة التيار الصدري متحالفاً مع الحزب الشيوعي وشخصيات علمانية وواجهات مستقلة يدعمها السيد مقتدى الصدر. حصة هذا التحالف 54 مقعداً في مجلس النواب يتم قسمتها بالتساوي بين التيار الصدري 27 مقعداً والحزب الشيوعي والشخصيات العلمانية المستقلة 27 مقعداً أيضاً.
أما حزب الدعوة وهو الأب الشرعي لائتلاف دولة القانون برئاسة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي فيضم إلى جانبه قائمة النصر برئاسة رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي و«الفتح» برئاسة زعيم «الحشد الشعبي» هادي العامري ونال هذا «المشوي المشكل» على الأقل 109 مقاعد. ومن شبه المؤكد أن المالكي والعامري المدعومين من إيران سيتحالفان إذا انضم إليهما العبادي أم لم ينضم، والأرجح أنه سينضم لأنه ما زال قيادياً في حزب الدعوة تحت رئاسة نوري المالكي. ولكن إذا قرر العبادي أن ينأى بنفسه عن الدور الإيراني في تشكيل الوزارة، وقرر استمرار تحالفه مع التيار الصدري فإن مقتدى سيرجح اختيار رئيس للوزراء من قائمته، وهو أعلن أنه يؤيد محافظ ميسان السابق علي دواي، وبذلك يفقد العبادي أمله في ولاية ثانية، وسيستدير عائداً إلى بيته «حزب الدعوة» للتحالف مع المالكي والعامري بشرط الولاية الثانية العسيرة.
«فزورة» الأب والابن والحفيد مستمرة، ومن حق تيار «الحكمة» بقيادة عمار الحكيم أن يحصل على نصيب من الكعكة يضمن له مصالحه المترامية الأطراف، ولذلك سينضم بلا أي شرط إلى تحالف المالكي والعبادي والعامري، وهو التحالف الذي تدعو إليه طهران وتباركه. أما زعيم «الحشد الشعبي» هادي العامري الذي قال في أحد تصريحاته النارية إن ولاءه الأول للولي الفقيه علي خامنئي، فحظوظه لتولي رئاسة الوزراء ضئيلة بسبب اعتراض واشنطن العلني عليه، وسبق للولايات المتحدة أن رفضت توليه وزارة الداخلية في وزارة حيدر العبادي الحالية، فكيف توافق اليوم على توليه رئاسة الوزراء؟
العملية السياسية في العراق لا تؤمن بمبدأ واحد + واحد. فربما يساوي صفراً أو حتى تحت الصفر. ألا تلاحظون أن كل روايات أدبائنا التي نالت الانتباه والجوائز تتحدث عن «الطشّار» و«فرانكشتاين» و«المقابر» و«حبال الغسيل» و«الفجيعة» و«العجائب» و«القيامة»؟ هذه الروايات المدهشة هي صورتنا في المرايا، لكنها لا تقدم حلولاً للألغاز.
يقول العراقيون في أمثالهم الاتكالية: «ربك ما يقطع». ولذلك رُزقنا بتحليل استراتيجي لفك متاهات الغابة ومساعدتنا لحل الكلمات المتقاطعة وإنقاذ ذلك التعيس الذي يريد الانتحار لأنه صار حفيد نفسه وجد نفسه. قال التحليل تحت عنوان «الكائن الفكري» مباشرة من دون مقدمات: «من هنا يكون السؤال عن معنى الكائن الفكري المؤمن بنمط كينونة هذا الكائن الذي تَفَرّدَ بمنظومته الفكرية المتطورة في كل مرحلة تاريخية». ولتوضيح المعنى نقرأ: «إن السير اللاحق هو التفتيش أنطولوجياً عن أساسيات المعنى التاريخي لحركة هذا الكائن الفكري في بلوغ أهدافه ومهامه التحليلية والوجدانية ‏التي تُمهد للمرحلة التاريخية المستقبلية. من هنا (مرة أخرى) ينبثق التأويل لفهم المعنى التفسيري لانفتاح هذا الكائن الفكري وتفسير حركة التاريخ المعاصر طبقاً لفلسفة الكائن الفكري والقيم الأساسية لكينونة هذا الكائن على مستوى العالم الذي تم رفع النقاب عنه وعن أصوله وجذوره».
ويَخْلُص المحلل الذي يدّب في النفق المظلم إلى أن كينونة هذا الكائن الفكري «قد تم فهمها حتى لو لم يكن على الصعيد الأنطولوجي، لأنه أسطورة باقية إلى الأبد وليس من السهل إنهاؤها من حيث الماهية الفكرية الجدلية والتاريخية، بسبب تمفصله وتقدمه على مستوى هذه الضروب المختلفة لمعنى الكينونة لهذا الكائن بشكل أزاح الغشاوة عن الفهم المغطى، ليس بالكريم كاراميل، وإنما بغشاوة غاية في التعقيد، وهي تجريبية صعبة لأنها حددت المنطق الأنطولوجي القائم على الوعي التاريخي. ومن هنا (مرة ثالثة) فقد أخذت كينونة هذا الكائن معنى واقع الأشياء المنطلق من جوهر الأشياء».
هل أدركتم الآن سهولة ويُسر وبساطة «كينونة» حل فوازير الانتخابات والتحالفات وتشكيل الحكومة الجديدة المحشية بالفستق الإيراني؟

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة