يرغب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في إنقاذ الاتفاق النووي مع إيران، والمعروف رسمياً باسم خطة العمل الشاملة المشتركة. ولقد أعلن مكتبه عن بيان مشترك مع مكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني يفيد بأن الزعيمين سوف يعملان سوياً للحفاظ على الاتفاق النووي، في أعقاب زيارة الدولة التي قام بها ماكرون إلى الولايات المتحدة، حيث حاول في واشنطن إقناع نظيره الأميركي بمنح الاتفاق النووي فرصة ثانية. ولقد تقدم الرئيس الفرنسي بمقترح من شأنه، في واقع الأمر، أن يحسن من الموقف الراهن ويمكن الجميع من إعلان النصر.
وينبغي على الرئيس الأميركي التعاطي مع المقترح الفرنسي، من خلال التعامل مع الاتفاق النووي الحالي، والذي يغطي البرنامج النووي الإيراني، كقوة واحدة في اتفاق أوسع نطاقاً يشمل الأنشطة النووية الأخرى لما وراء الموعد النهائي لخطة العمل الشاملة المشتركة بعد 10 سنوات من الآن، وتكنولوجيا الصواريخ الباليستية، وعلى وجه الخصوص، رعاية إيران للإرهاب في منطقة الشرق الأوسط.
وهذا من قبيل الدبلوماسية الذكية. فمن شأن ذلك أن يمكن الرئيس ترمب من إعلان النصر من خلال السعي إلى إبرام اتفاق أكبر (وربما أكبر اتفاق مبرم على الإطلاق). إن محاولة تحسين الموقف الراهن في أحد المجالات من خلال فتح المجالات الأخرى للنقاش البناء هو من التكتيكات التفاوضية الجيدة، الأمر الذي قد يقدره مؤلف كتاب «فن الصفقات» كثيراً (الرئيس دونالد ترمب).
ومن المحتمل أن تتعامل مع المخاوف الإيرانية كذلك؛ إذ إن المكاسب الاقتصادية المتوقعة عن الاتفاق النووي لم تتحقق أبداً، لأنه في حين أن الاتفاق النووي قد رفع العقوبات المعنية بالانتشار النووي، فإنه لم يرفع العقوبات المتعلقة برعاية الإرهاب، وبالتالي أحجمت الكثير من الشركات الدولية عن الاستثمار في إيران بسبب التعقيدات التنظيمية. ويوضع ذلك في الاعتبار، وكما يشير الكاتب إيلي ليك في بلومبيرغ، فإن النظام الإيراني يعاني من ضعف الأداء الاقتصادي والاستياء العام بشأن مغامراته في الخارج، وربما يقفز منتهزاً أي فرصة لرفع العقوبات الإضافية من على كاهله.
وهذا هو المسار الصحيح. يمكن للمرء أن يرى خطة العمل الشاملة المشتركة بأنها معيبة بشكل كبير، ومع ذلك يعتقد أنه، باعتبار التوقيع عليها، فإن الانسحاب منها سوف يكون أكثر إزعاجاً من الالتزام بها مع محاولة تحسين الوضع انطلاقاً منها. (وهذا، على سبيل المثال، موقف جيمس ماتيس وزير الدفاع الأميركي وأبرز صقور الإدارة الأميركية فيما يتعلق بإيران).
ومن الجيد أيضاً محاولة إنجاح هذه القضية؛ نظراً لأن فرنسا قد نجحت في السير الحثيث على طريق صعب وعسير ما بين الاشتباك والصرامة. وألمانيا، التي تعتبر إيران من أسواق التصدير الواعدة المحتملة، تتلهف في بعض الأحيان إلى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران بأي ثمن ممكن. وتتحرك الولايات المتحدة بشدة في مسارها حيال إيران استناداً إلى الحزب الذي يحتل جنبات البيت الأبيض.
حافظت فرنسا على علاقات تجارية، وعلمية، وثقافية مع إيران، فضلا عن الحوار الدبلوماسي المفتوح، وتحاشت في ذلك قعقعات السيوف والتي غالبا ما تعد السمة المميزة للسياسة الخارجية الأميركية. وفي تسعينات القرن الماضي، انتقدت فرنسا علنا قانون داماتو - كنيدي، الذي يفرض العقوبات الأميركية على الشركات التي تستثمر في قطاعات النفط والغاز الطبيعي في كل من إيران وليبيا، مما شجع شركة توتال الفرنسية على الاستثمار في البلاد، (وانتهى الأمر بالشركات الأوروبية بالحصول على إعفاء من ذلك القانون).
ومع ذلك، كانت فرنسا تتعامل بصرامة شديدة عندما يتعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني. وهناك دافع جوهري وراء ذلك: باعتبارها دولة مسلحة نووياً، كانت فرنسا دائما ما تضع عدم الانتشار النووي على رأس أولوياتها، كما أشار بيان لسفارة الولايات المتحدة في فرنسا سربته شبكة ويكيليكس حول سياسة فرنسا تجاه إيران. ولقد نفذت الحكومة الفرنسية استثمارات جادة في مجالات الاستخبارات والخبرات في مجال الانتشار النووي عبر عقود.
ولكن لا تزال هناك هواجس جيوسياسية وبراغماتية كثيرة أيضا، فهناك تاريخ طويل يربط بين البلدين، مع العلاقات الدبلوماسية التي تعود إلى القرن الثالث عشر الميلادي. وفي الوقت الراهن، تدعم فرنسا الجهود لاحتواء تنظيم حزب الله المدعوم من إيران في لبنان، وهي المستعمرة الفرنسية السابقة وذات العلاقات الوثيقة بباريس.
وفي عام 2013. عندما تم الكشف عن موقع التخصيب السري الإيراني في فوردو، كانت فرنسا التي تولت زمام المبادرة في فرض العقوبات القاسية على طهران، بما في ذلك الحظر النفطي وتجميد أصول البنك المركزي الإيراني في الخارج. وأثناء المفاوضات بشأن خطة العمل الشاملة المشتركة في جنيف، ومع رغبة إدارة الرئيس السبق أوباما في استيعاب إيران، كانت فرنسا تضطلع بدور أكثر صرامة بين الحين والآخر.
فإذا ما انسحب الرئيس دونالد ترمب من خطة العمل الشاملة المشتركة، فإن سياسة فرنسا الأكثر توازناً حيال إيران قد تنير الطريق للمضي قدماً. وتكمن الفكرة في تحويل عدم الانتشار النووي إلى جهود أوسع للحد من النفوذ الإيراني المزري في المنطقة، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالإرهاب وسوريا. وسواء كان النظام الإيراني الحالي سوف يستمر من عدمه، وما إذا كان إطار الاحتواء متعدد الأطراف يمكن أن ينجح من دون التدخل الأميركي، فهي من الأمور التي لم تتبين بعد.
- بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
