محنة الفرانكفونية ومعوقات الانفراج

محنة الفرانكفونية ومعوقات الانفراج

الأحد - 26 جمادى الأولى 1439 هـ - 11 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14320]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية
معظم الكتابات التي تناولت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ركزت بشكل يكاد كاملاً على الدوافع والأهداف الاقتصادية لتلك الزيارة. وهو تركيز وإن كان مشروعاً وصحيحاً، فإنه يهضم في المقابل الهدف الثقافي الكبير الذي لا يقل قيمة عن الأهداف الأخرى.
نعلم جيداً حرص فرنسا التاريخي على ثقافتها ولغتها، وكيف أن عرضت دولة ونخباً مسألة العولمة الثقافية، ورفعت شعار الاستثناء الثقافي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.
وللعلم أيضاً، فإنه على امتداد العقود الأخيرة وتحديداً بعد خروج فرنسا من المغرب العربي وبعض الدول الأفريقية نادت وعملت على التبشير بالفرانكفونية التي خصصت لها حقيبة وزارية وميزانية واستراتيجية دعم قوية للمغاربة والأفارقة الذين يكتبون باللغة الفرنسية، ما عدا ليبيا التي لم تخضع للاستعمار الفرنسي، حيث إلى جانب موهبة الكثير من الفرانكفونيين المغاربة مثلاً فنحن لا نستطيع أن نغفل عن دور الحقل الثقافي الفرنسي كدور نشر ووسائل إعلام في مساعدة أسماء، مثل الطاهر بن جلون، ورشيد بوجدرة، وآسيا جبار وعبد الوهاب المؤدب على تحقيق شهرة مهمة والحصول على جوائز مرموقة. فاللغة ليست كلمات، بل هي نظام فكري من التصورات والرموز والمعاني ونظرة إلى العالم والذات والمجتمع، ومن ثمة فإن الكتابة باللغة الفرنسية هي في أحد أهم أبعادها ترويج للثقافة الفرنسية.
لكن ما أصاب فرنسا من تراجع في مجالات عدة شمل لغتها أيضاً وفكرها وثقافتها: فمثلاً علم الاجتماع ذو النشأة الفرنسية مع أوغيست كونت وإميل دوركايهم يعرف اليوم نوعاً من الركود خلافاً للتطورات البحثية المهمة الحاصلة في الفضاء الأنجلوسكسوني.
إن توصيف واقع الفرانكفونية في البلدان المحسوبة عليها اليوم بالمتأزم عبّر عنه تقرير المجلس الأعلى للفرانكفونية الذي سجل تراجع الفرنسية في أفريقيا، كما أشار إلى تقهقر الفرنسية بالجزائر في السنوات الأخيرة، حيث إن نسبة الجزائريين الذين يتحدثون اللغة الفرنسية انخفض إلى أقل من 28 في المائة، أي ما يعادل 11 مليون جزائري من أصل 41 مليون نسمة.
إلى جانب اعترافات فرنسا نفسها بأزمة الفرانكفونية، هناك مؤشرات عدة يمكن ملاحظتها وتؤكد الأزمة المشار إليها. من ذلك، أنه في تونس تحصّل في امتحان البكالوريا سنة 2017 سبعة آلاف تلميذ على درجة صفر في امتحان مادة الفرنسية. ولقد أثار هذا الرقم المخيف والصادم والمبهم الأسباب وسائل الإعلام التونسية والإطار التربوي ووزارة التربية. في المغرب أيضاً الذي يعتبر خامس دولة فرانكفونية فإن اللغة الفرنسية عرفت تراجعاً. ومن المؤشرات العامة كذلك، أن اللغة العربية أصبحت تحتل الصدارة بين اللغات المستعملة في الشبكات الاجتماعية عند المستخدمين والمغاربة والعرب لـ«فيسبوك».
إذن، تعرف الفرانكفونية أزمة لا غبار عليها اليوم في المغرب العربي والبلدان الأفريقية التي تمثل اللغة الفرنسية لغتها الأولى أو الثانية. ومن يعرف عضوية علاقة الدولة الفرنسية بالثقافة يدرك الوجع الفرنسي من تراجع الفرانكفونية. ففي هذا السياق نضع ما صرح به الرئيس الفرنسي في تونس مؤخراً بشكل واضح جداً عندما قال: «أعلن عن رغبتي في تعزيز تعليم الفرنسية... أرغب في إعطاء دفعة للفرانكفونية في تونس»، مضيفاً في الكلمة نفسها أن قمة الفرانكفونية سنة 2020 ستكون في تونس.
إن مسألة إحياء الفرانكفونية بعد أساسي من أبعاد السياسة الفرنسية الراهنة، ويبدو أن الرئيس ماكرون يولي لهذه المسألة اهتماماً خاصاً يتجاوز في الحقيقة علاقته الوطنية الثقافية إلى ما يتصل بعلاقة اللغة الفرنسية بموقع فرنسا في العالم. لذلك؛ فإن فرنسا أمام تحدٍ كبير وصعب جداً باعتبار أسباب موضوعية كثيرة، أولها أن اللغة الفرنسية ليست لغة عالمية؛ إذ تأتي في المرتبة التاسعة من حيث عدد المتكلمين ونسبتهم من عدد سكان العالم: 3.05 في المائة فقط يتحدثون الفرنسية خلافاً للإنجليزية التي يتحدث بها ربع سكان العالم. فاللغة الفرنسية تعرف اليوم، خصوصاً بعد تراجع تأثير وإقبال الأجيال الجديدة الشابة عليها، نوعاً من العزلة الحقيقية ما فتئت تتزايد وذاهبة نحو أكثر انعزالية: هناك هيمنة قوية للغة الفرنسية وتنامي إدراك جدوى امتلاك هذه اللغة، وعلاقة ذلك بفرص العمل وتحقيق الطموح. أيضاً هناك عامل العودة إلى رد الاعتبار للغة العربية في الإدارة في بلدان المغرب العربي، إضافة إلى عامل آخر تتجاهله فرنسا وهو تراجع دعمها المالي والثقافي والاتصالي، وأغلب معاهد التعاون الثقافي الفرنسي في العالم اليوم متقشفة في ميزانيتها وغير قادرة على الترويج لثقافتها في المهرجانات الكبرى بالمساعدة في تأمين عروض تملأ المسارح.
بمعنى آخر، فإن التقشف المالي في سياسة فرنسا الفرانكفونية اليوم أحد أسباب التراجع والتقهقر. فالثقافة تفرض وتمرر بالمال باعتبار أن الفن والثقافة يتطلبان المال والأسماء الكبرى القادرة على الاستقطاب لا تهمها الفرانكفونية بقدر ما يهمها الأجر المرتفع لعروضها.
إذن، على إيمانويل ماكرون أن يحدد تحديات الفرانكفونية أولاً قبل أن يحلم بإحيائها: كيف تكون حماية الفرانكفونية لغة وثقافة من الميزانية الشحيحة وهيمنة اللغة الإنجليزية واستمالتها للبلدان الفرانكفونية وخطوات التعريب المتنامية.
ويبقى طبعاً الاشتغال على الفصل بين اللغة الفرنسية كلغة فيكتور هيغو وموليير، وكونها لغة المستعمر الفرنسي موضوعاً جديراً بالانتباه والتفكير. وإذ نشير سريعاً إلى هذه النقطة، فلأن حالة العزوف الراهنة إزاء اللغة الفرنسية لا تستثني رد فعل هوياتي أيضاً.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة