أنا وصدام حسين... كتاب بعقوبتي إعدام

أنا وصدام حسين... كتاب بعقوبتي إعدام

الجمعة - 23 جمادى الأولى 1439 هـ - 09 فبراير 2018 مـ رقم العدد [14318]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
في هذه الأيام يسألني فيها القوم: ومتى تعود للعراق؟ أتوقف قليلاً لأتذكر برعب وقلق آخر زيارة لي في عهد صدام حسين. كنت مدعواً لمهرجان المربد. ودفعني الشوق للأهل والأصحاب لتلك الزيارة. كان بينهم المحامي حسن العمري. وجدته ينتظرني في الفندق. وارتجاني أن أخصص الليلة الأخيرة لمأدبة مع أصحابه وذويه في نادي الصيد المهيب. ما إن مددت يدي للطعام حتى سمعت أحدهم يهمس للأستاذ العمري: «نقول للأستاذ خالد أو لا نقول له»؟ تجهمت وجوه الحاضرين. «لا أبو فاروق مو وقتها». وأضاف آخر: «لكن ضروري يعرف». دخلوا في مناقشة هامسة انتهت بقرار واحد: «لا. مو الآن. نقول له بعدين بالسيارة حتى ما أحد يسمعنا»!
قلت لنفسي: «أعوذ بالله. في الحكاية سلاية». انقطعت شهيتي للأكل ودخلت مع نفسي في ملامة. كيف غامرت بنفسي وجئت للعراق؟ الله يلعن الشيطان»! خرجنا من المطعم وركبنا السيارة وانطلقنا. «الآن افتح الموضوع وقل له»! صح. ما أحد يسمعنا غيرنا. وانطلق العمري بالكلام: «أخ خالد، ضروري تعرف. أنا محام معروف ودقيق. كتابك الأخير فيه إشارات لصدام حسين تعني عقوبتي إعدام عليك. ولا تحدث عن الباقي». «هذا الكتاب...».
«أرجوك. ما يهمني أي كتاب. بس خلي الله يستر علي ها الليلة وأنا مغادر بغداد في الصباح الباكر غداً». قلت له مقاطعاً...
فاستأنف الكلام: «أخويا خالد، أنا أعرف معنى ما أقول. أنا ما قلت ربع ما أنت تقول بكتابك واعتقلوني ستة أشهر بالسجن. ولولا عشيرتي بيت العمري، وتوسطهم كان علقوني من المشنقة! يعني...».
عدت فقاطعته ثانية: «أستاذ حسن، ما أريد أسمع بعد أي كلام. بس ادع الله معي وأسلم على روحي ها الليلة وأرجع للندن وهذي آخر مرة أزور بلدكم».
انقطع الحديث وساد السيارة صمت رهيب حتى وصلنا الفندق. نزلت من السيارة ولم أتبادل السلام معهم. دخلت الفندق وبادرني ضابط الشرطة بالسلام. قلت لنفسي: «آه. أهذا الرجل هو المكلف باعتقالي»؟ أسرعت لغرفتي وقضيت ليلة من أتعس ما مررت به في حياتي. رحت أذرع غرفتي ذهابا وإيابا طوال الليل. أخذت حمامين عسى أن أهدئ أعصابي ولم ينفع. نظرت لساعتي. وأعدت النظر إليها عشرات المرات. ما لك يا عقرب الدقائق! تحرك يخليك الله! مرت الساعة الرابعة ثم الخامسة وأنا أعد الدقائق والساعات حتى أطلت أنوار الفجر. نزلت بحقائبي إلى الاستقبال. «وصلت السيارة»؟ أجابتني الموظفة المصرية: «لسه بدري يا أستاذ. استريح حتى تيجي سيارتك».
ووصلت السيارة مليئة بالشرطة. يا ساتر! حتماً جايين يعتقلوني! أدرت وجهي جانبا متستراً. «أستاذ القشطيني. تفضل معي»، قال الضابط. وكاد قلبي يسقط في حذائي. «وين غراضك»؟ سألني بأدب. أشرت إلى شنطتي فأسرع إليها وحملها. «من شفت اسمك بقائمة المغادرين قلت والله هذه فرصة أتعرف بكاتبنا الكبير». وانطلقت بنا السيارة لمطار صدام الدولي. ولكنها كانت ليلة لن أنسى أوجاعها ما دمت حياً.

التعليقات

عادل
09/02/2018 - 05:15

و أنا أيضا, أستاذ, مرت علي ليلة لم استط النوم فيها الى الصباح و كان ذلك في 15/10/1995 يوم الاستفتاء على رئاسة صدام حسين. قبل هذا التاريخ جاءونا من الفرق الحزبية في منطقتنا و سلمونا اوراقا بعدد افراد الاسرة التي يحق لها الانتخاب و كل باسمه و قالوا كل واح يسلم هذه الورقة في مركز الانتخاب و يستلم ورقة مكتوب فيها هل ترغب بان يكون صدام حسين رئيس لجمهورية العراق و هنك مربعان واحد فيه نعم و الاخر فيه لا . و كانت الناس يقولون من يكتب لا هناك رمز يدل على من يكتب لا . ذهبنا في يوم الاقتراع و قلت مع نفسي أنا لا اريد صدام ان يكون رئيس لجمهورية العراق فهل ان اخادع نفسي او ان اكون صريحا و دخلت في صراع مع نفسي و عندما ذهبت الى المركز و جدت ابن اخ زوجتي يشرف على الصندوق و هو بعثي, و كان المكان الذي تستلم فيه الورقة و المكان الذي ترمي فيه ,يتبع"

عادل
09/02/2018 - 05:25

و المكان الذي تضع الورقة في الصندوق نوعا بعيدا فجاءتني فكرة ان لا اجيرة الورقة و لا اضعها في الصندوق و وضعتها في جيبي و ذهبت الى الصندوق و فقط مددت يدي و لم اضع شيئا و اصبحت في قلق هل اكتشفني ابن اخ زوجتي ام لا , على كل حال خرجت و ذهبت الى البيت و في الليل لم استطع النوم و كلما اسمع حركة في الشارع امام بيتنا اقول ها قد جاءو و هكذا الى الصباح و عدت على خير و لا زلت احتفظ بالورق التي تقول هل ترغب بان يكون صدام حسين رئيسا لجمهورية العراق نعم لا .

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
09/02/2018 - 11:19

عندما أورد المقال «بس أدع الله معي وأسلم على روحي ها الليلة وأرجع للندن وهذي آخر مرة أزور بلدكم»، من خلال هذه السطور أورد المقال المأساة التي تراود كل عربي، وخصوصا في دول ربما كان يحفها الخوف، وأتخيل حجم الأفكار الثقيلة التي حلت علي كاهل كل مواطن قد خاصة من دولته،ونظام البعث الذي كان يعتبر العراق ملكا لمجموعته فر فرار الخائفين، وبعضهم هرب الي أميركا والبعض الآخر منهم يعيش بأسماء مستعارة ومع ذلك خائفين حتي من ظلهم،وظلهم يطاردهم من مكان الي مكان والجرائم التي إرتكبوها ستلاحقهم الي القبر.ومن يعمل مثقال ذرة خيرا ير ومن يعمل مثقال ذرة شرا يرا.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة