رحل جيمس ديمور عن «غوغل»، لكن لن يطويه النسيان سريعاً. وقد انضم إليه محام محافظ في رفع دعوى قضائية ضد الشركة، متهماً إياها بالتمييز ضد أصحاب التوجهات المحافظة والقوقازيين والرجال.
وقد تقدما بالدعوى أمام إحدى محاكم كاليفورنيا؛ الأمر الذي يعد مؤشراً قوياً على أن الأوضاع لم تكن مريحة بالنسبة للمحافظين فيما يخص «غوغل». ومن الواضح أن الأوضاع داخل «غوغل» لم تكن مريحة بالنسبة لديمور في أعقاب كتابته مذكرة تشير إلى أنه قبل أن تشرع شركة «غوغل» في محاولة تحقيق تكافؤ بين الرجال والنساء داخل صفوف العاملين لديها، فإنها ينبغي أن تضع في اعتبارها احتمالية أن يكون السبب وراء وجود عدد أقل من النساء داخل الشركة أن عدداً أقل من النساء بوجه عام يهتم بالعمل في مجال التشفير.
ربما يبدو كل ما سبق واضحاً أمام الجميع، بيد أن الأمر الذي ربما يكون أقل وضوحاً أن ديمور يملك حجة قانونية قوية. في الواقع، يمكنني تفهم السبب وراء السخط الذي يعتمل في نفوس كثير من موظفي «غوغل» من أصحاب الميول المحافظة، ذلك أن الاتصالات الداخلية المشار إليها في الدعوى القضائية ترسم صورة لثقافة سياسية أحادية غير صحية يبدو في إطارها كثير من الموظفين عاجزين عن التعامل مع أي تحدٍ يجابه آراءهم السياسية. شخصياً، كنت لأشعر بتوتر بالغ إذا ما عملت في مثل هذه البيئة، بصفتي شخصاً تحررياً صاحب ميول يمينية قضى الجزء الأكبر من حياته العملية داخل صناعة تنحرف يساراً بمعدل يقارب 90 في المائة.
ومع هذا، تبقى ثمة مسألة مهمة: هذه الاتصالات الداخلية اقتطعت من سياقها؛ فهل كانت هذه التعليقات جزءاً من محادثة أوسع بدت خلالها تلك التعليقات أكثر منطقية؟ وكم النسبة التي تشكلها هذه الاتصالات من بين مجمل الاتصالات الداخلية المعنية بقضايا سياسية؟
في الحقيقة، من الطبيعي أن نفترض أنه في أي لحظة داخل أي مؤسسة كبرى، سيكون هناك عدد من السذج يقترحون أشياءً تتنافى مع القانون أو الأخلاق أو تفتقر إلى الحكمة بوجه عام. ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال أن تلك التعليقات تمثل سياسة المؤسسة. وعندما تطرح «غوغل» وجهة نظرها فيما يخص هذه القضية، فربما يتضح أن هذه الدعوى القضائية في حقيقتها أقل إثارة بكثير مما تبدو عليه الآن.
المعروف أن المحامين بطبيعتهم دائماً ما يدّعون أن لديهم حجة قوية لا تدحض، لكن تظل الحقيقة أنه إذا لم تتمكن «غوغل» من طرح دليل قوي على أن كثيراً من الأفراد أصحاب الميول المحافظة كانوا يشعرون بحرية التعبير عن آرائهم عبر لوحات الرسائل الداخلية بالشركة، في الوقت الذي يحظون فيه بتقدير زملائهم ورؤسائهم، فإنه من المؤكد أن هذه الدعوى القضائية لن تنتهي على نحو جيد بالنسبة لـ«غوغل». وإذا كانت الشركة وفريق المحامين التابع لها يعتقدون خلاف ذلك، فإنهم بذلك يكونون متورطين في ارتكاب خطأ يعرف في مجال الإعلام بـ«المبالغة في التأثر ببياناتك الصحافية».
في الحقيقة، هناك نوع من الدعاوى القضائية مرتفع التكلفة ويستغرق وقتاً طويلاً، وهناك نمط آخر يمكن وصفه بالإشعاعي، ذلك أنه يلوث أي شخص يقع على مسافة ميل كامل منه. ويكاد يكون في حكم المؤكد أن هذه الدعوى القضائية تنتمي إلى الفئة الأخيرة.
على سبيل المثال، بالنسبة لديمور والمدعين الآخرين المشاركين معه في الدعوى، فإنهم يواجهون مخاطرة إحجام أي جهات توظيف مستقبلية محتملة عن الاستعانة بهم، وذلك لسبب بديهي؛ أن جهات التوظيف بوجه عام لا يروق لها الموظفون المشاكسون الذين يلجأون إلى القضاء لتسوية خلافاتهم مع جهة العمل.
ومع ذلك، تكمن المفارقة الحقيقية في أن ديمور الطرف الأقل من حيث الخسائر المحتملة من وراء هذه الدعوى. لو كان ديمور قد تعرض للفصل بهدوء، حتى ولو كان ذلك في إجراء ينطوي على تمييز سياسي واضح، فإنه في تلك الحالة ربما كان سيرى من الحكمة أن يبقى بعيداً عن الأضواء ويسعى للحصول على عمل جديد. إلا أنه في الواقع حصل بعض العاملين في «غوغل» على نسخة من مذكرته وسربوها إلى وسائل الإعلام، ما استفز إدارة الشركة لطرده من عمله على نحو شديد العلانية والإذلال، الأمر الذي سيترتب عليه حتماً خلق صعوبات أمامه في إيجاد عمل آخر. ومن خلال إقدام الشركة على التعامل مع ديمور على هذا النحو، فإنها خلقت أمامه جميع الأسباب التي تدفعه لمقاضاتها، وتعاطف عدد غير قليل من المحامين أصحاب الميول المحافظة معه.
تبدو خطوة «غوغل» التي تواجه مخاطرة التعرض لخسارة فادحة جراء هذه الدعوى، غير ذكية، حتى وإن أصدرت المحكمة في نهاية الأمر حكماً داعماً لموقفها. من شأن الوضع الحالي تسليط الأنظار على أنظمة الاتصالات الداخلية في الشركة وما تحمله من رسائل. وربما تظن «غوغل» أن مركزها في السوق قوي للغاية لدرجة تعفيها من القلق إزاء أمور تافهة من عينة ما إذا كان موظفوها يقضون قدراً كبيراً من وقتهم في استخدام أنظمة التواصل الداخلي بالشركة في الإساءة إلى الجمهوريين أو الرجال أصحاب البشرة البيضاء أو المسيحيين المحافظين، والذين يشكلون في مجملهم قرابة نصف سكان البلاد. ومع هذا، تبقى هذه نظرة ضيقة الأفق للغاية، فمن ناحية هناك عدد كبير للغاية من مالكي الشركات الصغيرة من أصحاب التوجهات المحافظة والذين يشكلون شريان الحياة بالنسبة للإعلانات التي تبيعها «غوغل». والمؤكد أن الشركة ستتضرر إذا ما قرر هؤلاء نقل إعلاناتهم إلى شركة أخرى، خصوصاً إذا ما قرر المحافظون تنظيم حملة مقاطعة ثانوية ضد الشركات التي تنشر إعلاناتها عبر «غوغل».
وربما يتمثل الأمر الأهم من ذلك في التصويت، فالمحافظون ينتخبون المشرعين والمسؤولين العموميين الذين بمقدور الإجراءات التي يتخذونها التأثير بعمق على نشاط «غوغل» التجاري. الملاحظ بصورة عامة أن «غوغل» تتمتع بمعاملة أكثر لطفاً بكثير من جانب المشرعين الأميركيين منها من جانب الاتحاد الأوروبي أو الصين، إلا أن الحكومة الأميركية تخضع اليوم لهيمنة كثيفة من قبل الجمهوريين الذين من غير المحتمل أن يرغبوا في التعامل بلطف مع مؤسسة ضخمة تنتقد المحافظين وتقصيهم في جزء من سياستها الإدارية العامة.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
8:28 دقيقه
TT
«وادي السيليكون» سيدفع ثمن ميوله اليسارية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
