كارا ألايمو
TT

كيف يمكن لـ«غوغل» و«فيسبوك» إنقاذ حيادية الإنترنت

اتخذ خمسة أعضاء من إحدى اللجان التنظيمية، مؤخراً، قراراً بشأن أحد أكبر تهديدات الخطاب الديمقراطي التي واجهها الشعب الأميركي في حياته، ولا يبدو الأمر جيداً على أي حال. فقد صوتت في 14 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، لجنة الاتصالات الفيدرالية على مقترح يقضي على حيادية الإنترنت، مما يعني أن موفري خدمات الإنترنت سوف يتمكنون من حجب، وإبطاء، أو فرض الرسوم الإضافية على العملاء مقابل الوصول إلى مواقع معينة على الإنترنت. وكما كان متوقعاً بصورة كبيرة للأعضاء الجمهوريين الثلاثة في اللجنة، والذين ما يصوتون في المعتاد ككتلة واحدة، وافق هؤلاء الأعضاء على تفعيل الخطة. ولكن لحسن الطالع لم يفت بعد أوان حماية الشركات للعملاء من هذا الأمر.
وتعتبر الآثار المترتبة المنتظرة لإنهاء حيادية الإنترنت مريعة. ولنتصور، على سبيل المثال، أحد موفري خدمات الإنترنت الذي يفرض المزيد من الرسوم لقاء الوصول إلى المواقع الإخبارية السائدة. فقد يؤدي الأمر بالمواطنين الأميركيين الذين لا يستطيعون الاشتراك في الخدمات المميزة أن يحصلوا على الأخبار والمعلومات من مقدمي الأنباء المزيفة، أو نتصور أحد موفري خدمات الإنترنت الذي يؤيد أجندة معينة - على سبيل المثال، مارست شركات «إيه تي أند تي» و«كومكاست» و«فيريزون» الضغوط الشديدة على إدارة الرئيس دونالد ترمب بغرض إنهاء حيادية الإنترنت - ويعمل على إبطاء الوصول إلى مواقع المرشحين السياسيين الذين لا يناصرون مواقفهم السياسية.
ونقص المنافسة بين موفري خدمات الإنترنت يعني أن يفقد الكثير من الشعب الأميركي الخيار سوى استخدام مثل هذه الخدمات فقط. ووفقاً لتقرير لجنة الاتصالات الفيدرالية الصادر في أبريل (نيسان) الماضي، فإن 87 في المائة من مجموعات التعداد السكاني بالولايات المتحدة لديهم اثنان أو أقل من موفري خدمات الإنترنت الذين يقدمون خدمات النطاق العريض بسرعة لا تقل عن 25 ميغابايت - ثانية للتحميل و3 ميغابايت - ثانية للرفع. ويرجع ذلك جزئياً إلى ارتفاع تكلفة هذه الخدمة والتعقيدات المتعلقة بإنشاء مزود خدمة الإنترنت، إذ تواجه الشركات الناشئة على وجه التحديد تهديدات برفع الدعاوى القضائية من قبل الشركات العاملة بالفعل. ولقد وضعت هذه التحديات شركة «ألفابيت»، الشركة الأم لـ«غوغل»، في موقف حرج، إذ إنها أعلنت في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2016 أنها تعتزم تقليص الخطط الهادفة إلى توفير خدمة «غوغل فايبر» إلى المزيد من المدن الأميركية.
ومن حسن حظ المواطنين الأميركيين، بالرغم من ذلك، أن خطة إنهاء حيادية الإنترنت تشكل تهديداً كبيراً على الشركات التي تقوم بالأعمال التجارية عبر الإنترنت. ويرجع ذلك إلى أن موفري خدمة الإنترنت يمكنهم حجب أو الحد من الوصول إلى مواقع إلكترونية معينة بالكلية. على سبيل المثال، يمكنهم قطع الدخول على موقع «نيتفليكس»، وبدلاً من ذلك بيع خدمات البث الترفيهي الخاصة بهم. (أيبدو ذلك جنونياً؟ في عام 2014 دفعت «نيتفليكس» رسوماً إلى «كومكاست» لوقف إبطاء الدخول على موقعها). وذلك هو السبب في أن أعضاء «رابطة الإنترنت» - أي الشركات من شاكلة «غوغل» و«فيسبوك» و«تويتر» و«أمازون» و«أوبر» و«نيتفليكس» و«إير - بنب» و«إي - باي» - يؤيدون استمرار حيادية الإنترنت.
ويبدو أن الأوان قد فات بالفعل أمام الساسة لحماية حيادية الإنترنت؛ إذ من شبه المؤكد أن تنجح لجنة الاتصالات الفيدرالية في القضاء عليها، ومن غير المرجح للكونغرس الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري أن يمرر مشروع قانون ينص على المعاملة المتساوية لكافة أشكال الحركة على الإنترنت، ولكن يمكن للشركات أن تحمي الشعب الأميركي من هذا التهديد المحدق به.
يمكن لأعضاء «رابطة الإنترنت» الاتفاق سوياً لتمويل مزود لخدمة الإنترنت الذي يضمن ويحافظ على حيادية الإنترنت، ويقدم الخدمة لكل مواطن أميركي بأسعار معقولة. كما يمكن لمشروع «غوغل فايبر» أن يوسع من خدماته الخاصة على الصعيد الوطني اعتماداً على تمويل الشركات الأخرى صاحبة المصلحة الكبيرة في حماية الوصول المفتوح لمختلف مواقع الإنترنت. وحتى إن كانت تلك الجهود مكلفة، فسوف تكون أقل تكلفة من البديل الآخر المحتمل لعدم قدرة العملاء على الوصول إلى مواقعهم.
ويفضل جيم بالير، رئيس مؤسسة «بالير ستوكس أند لايد» القانونية، والخبير في شؤون الاتصالات، هذه الفكرة تماماً. وأشار إلى أن أعضاء «رابطة الإنترنت»: «يملكون الخبرات الواسعة في تعطيل الصناعات التقليدية»، إلى جانب «امتلاكهم الموارد الكبيرة، والمعرفة العميقة بصناعة الاتصالات، والقوة الشرائية. وهي تركيبة قوية وواعدة بالنسبة إليهم تمكنهم من العثور على حلول مجدية لمشكلة القضاء على حيادية الإنترنت».
ولقد حذر علماء الإعلام، في السابق، من أن الشركات العملاقة كانت تشكل أحد أبرز المخاطر على الديمقراطية الأميركية. وكتب البروفيسور روبرت ماكشينسي من جامعة إلينوي عبارته الشهيرة التي تقول: «الإعلام الثري لا يلد إلا الديمقراطية الفقيرة». أما اليوم، يمثل احتشاد موفري خدمات الإنترنت ضد حيادية الإنترنت المثال الواضح على هذا التهديد، غير أن منصات الإعلام الاجتماعي وغيرها من الشركات قد تكون آخر آمالنا في الحماية من هذا التهديد.
*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»