د. أحمد عبد الملك
كاتب واكاديمي قطري
TT

منتدى الإعلام العربي.. أسئلة الهوامش!

ما من مرة يلتقي فيها الإعلاميون العرب؛ إلا وتقفز الأسئلة على الطاولة، حول «المُهمّش» والمسكوت عنه والمحظور من المواضيع التي ترتبط بحياة الناس ومستقبلهم! ولقد أتاح منتدى الإعلام العربي، في دورته الثالثة عشرة في دبي بتنظيم من نادي دبي للصحافة، الفرصة لظهور عدة أسئلة جديدة من النوع «المهمّش» والمسكوت عنه والمحظور، ومنها: الإعلام الجديد.. ظواهر جديدة، ويرتبط بهذا العنوان عدة مفاهيم حول دور وأثر أدوات التواصل الاجتماعي، وبروز «نجوم الهامش» ما يعتبره البعض «تزاحما» على نجوم الإعلام التقليدي! ورغم ما يُقال عن سرعة وبساطة وسهولة إيصال الرسالة الإعلامية – عبر أدوات التواصل الاجتماعي – ظل سؤال المصداقية من الأسئلة الصعبة التي لم يصل الإعلاميون العرب إلى توافق حولها، لدرجة أن أحدهم وصفَ بعض المتواصلين على هذه الوسائل بأنهم مجموعة من محترفي «الصراخ الإلكتروني»! وظهر في هذا المجال أصحاب الآراء الحادة، التي لم تكن لتظهر في وسائل الإعلام التقليدي! وبرأينا أن وسائل التواصل الاجتماعي – رغم حدّيتها وغضبها وسرعتها في رد الفعل – قد شجّعت وسائل الإعلام التقليدية لأخذ ذات المنحى! فظهرت فضائيات – وهي من أدوات التواصل التقليدية – في شكل «أحدّ» و«أغضب» من وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصا في دول ثورات الربيع العربي، وصار التكفير، والإقصاء، والسب، والقذف، والسخرية من العلامات البارزة في بث بعض الفضائيات. بل ووصل الأمر ببعض المذيعين – الذين أصبحوا نجوما في تلك التخصصات – إلى «توتير» المشاهد، وتنصيب أنفسهم قادة وقضاة، يُصدرون أحكاما على الناس، وعلى الاتجاهات السياسية، وحقن المشاهد بالرأي المفروض، ناهيك عن الصراخ الذي لا يتناسب وطبيعة التلفزيون! فماذا ترك هؤلاء «المتراشقون» لمرتادي المقاهي العربية ولا عبي النرد؟!
وفي أدوات التواصل الاجتماعي برزت ظواهر غريبة على الثقافة العربية، كتحقير وتسفيه الآخر، والدخول في خصوصيات العوائل، وتجريم صاحب الرأي المخالف. ويرى البعض أن الإعلام التقليدي نفسه متهم وسبب في انتشار «الصراخ الإلكتروني»، لأنه أنتج شخصيات تحرّض على الفتنة أو تصدر فتاوى التكفير، ووفر مناخ التشدد لفئة دون فئة أخرى. وهذا ما أدى إلى زيادة «حماس» المتواصلين عبر أدوات التواصل الاجتماعي في مواصلة أدوارهم.
لقد حادَ الإعلام العربي بشقيه – التقليدي والجديد – عن جادة الصواب في حالات معينة، وضاعت الحقيقة، وتوترت الأجواء السياسية وزادت الاختلافات بين الشعوب، بل وبين الشعب العربي نفسه. كما تسبب «انحياز» بعض وسائل الإعلام وعدم حياديتها إلى بروز «انحياز» مضاد داخل الإعلام التقليدي، وداخل وسائل التواصل الاجتماعي، فضاع الدور المتوازن والعاقل لكلا نمطي الاتصال. نحن نعتقد أن غياب المصداقية قد أكدته بعض محطات الإعلام الرسمية وشبه الرسمية، التي ظلت زمنا طويلا وهي تبث الدعاية السياسية، دونما توجد الجمهور ذا التفكير النقدي، الذي لا بد أن يقرأ العناوين، تماما كما يقرأ ما بين السطور، ثم جاءت مرحلة «التهميش» والترفيه، كي تزيد من التراجع، وتخلق نمطية مشاهدة هجينة وغريبة عن المجتمع العربي. فزادت جرعة برامج ما سُمي بـ(الواقع)، وبرامج الخصوصيات المستترة، وبرامج التحريض الديني. وصار المشاهد يتابع فضائيات تعنى بالفضائح والتشهير والردح على الآخر بصورة عدائية، بحيث أصبح هذا المشاهد جزءا من «الصراخ الإلكتروني»، لأنه يتأثر ليلا بالفضائيات، ويصب جام غضبه نهارا في وسائل التواصل الاجتماعي محتذيا بصراخ بعض المذيعين «النجوم»، في موجة تخالف كل القيم الإعلامية، ومنحدرا إلى لغة الشارع والتواصل بلغة الجسد دون اللفظ، لأن ثمة من يقول: «إن الإعلان عايز كده»، أو مُلاك المحطة «عايزين كده»!؟
وبرأينا أن (الحقيقة) لم يوجد من يُصنفها تصنيفا يليق بها! وأخذَ كل فريق «يُفصّل» الحقيقة حسب موقفه السياسي، سواء كان ذلك موقف دولة أم موقف المال. بعضهم طرح موضوع تبديل النهج الإعلامي التقليدي ليكون أكثر إبداعا؟! ونحن نقول: ما هو الإبداع في مجال قراءة نشرة الأخبار التلفزيونية؟ هل في وقوف المذيعة في بداية النشرة ثم جلوسها على الكرسي إبداع؟ وهل تبادل كلمات مثل (مرحبا دعد) (مرحبا زيد) من مظاهر الإبداع؟ وهل قيام مذيعة بإحراج ضيفها وممارسة (الإرهاب الفكري) عليه إبداع؟ وهل يريد «المُجددون» نقل ما يحدث على أدوات التواصل الاجتماعي – من خروج على القيم والأخلاق ورصّ العبارات الرديئة – المليئة بالأخطاء الإملائية والموضوعية – وثقافة التكفير، واللعن، واللطم، والتعرّض للخلفاء – إلى الشاشات الرصينة؟ لكن العقلاء من الإعلاميين يرفضون هذا «الإبداع»، ويعتبرونه «تهييجا» للشارع لا يؤدي إلى نقل الحقيقة، قدر ما يساهم في البلبلة وتشويش الرأي العام، وخلق «نجوم» من ظلام على وسائل التواصل الاجتماعي.
نادي دبي للصحافة كرّم 15 صحافيا عربيا تميزوا خلال عام 2013 في مجال الصحافة، وبلغت مشاركات هذا العام 4532 مشاركة لجائزة الصحافة العربية، تسيّد الشباب فيها بعدد 527 مشاركة، وجاءت فئة المادة التخصصية في المقام الثاني (512) مشاركة، وفئة الحوار في المقام الثالث. (509) وكان ترتيب مشاركات الدول في الجائزة كالتالي:
720 مصر، 643 المملكة العربية السعودية، 535 دولة الإمارات العربية المتحدة، 535 فلسطين،498 الجزائر. كما أن نسبة المشاركات حسب الجنس كانت كالتالي: 69 في المائة ذكور و31 في المائة إناث. إن هذه التجمعات تزيد من تفهم الإعلاميين العرب للمهنة، وتبادل التجارب مع الآخرين، خصوصا بين جيل الإعلام التقليدي وجيل الإعلام الحديث.
فتحية لنادي دبي للصحافة على هذا اللقاء السنوي الجميل.
* كاتب وأكاديمي قطري