ديفيد اغناتيوس
صحافي وروائي. وهو محرر مشارك وكاتب عمود في صحيفة "واشنطن بوست". كتب ثماني روايات، بما في ذلك "جسد الأكاذيب"
TT

الاستراتيجية الجديدة ومحاولة احتواء المد الإيراني

يشتهر السيد دونالد ترمب، في عالم المال والأعمال، بصرامته الشديدة، عندما يتعلق الأمر بميعاد سداد الفواتير من الشركات الأخرى، إذ يعرض تسوية جزئية مما يدين به، ويقترح التفاوض على الباقي. ولقد فعل السيد ترمب شيئاً من ذلك، يوم الجمعة، عندما أعلن عدم انسحابه من الاتفاق النووي الإيراني في الوقت الراهن، ولكنه سوف ينسحب منه إذا لم يحصل على شروط أفضل.
ولقد ألقى خطاب السيد ترمب قنبلة لفظية داخل منطقة الشرق الأوسط المضطربة. وربما كان هذا هدفاً من أهداف الرئيس الأميركي الذي يصور نفسه بأنه «الممزق الكبير». غير أن هذه القنبلة تثير الخلافات الإقليمية التي لا يمكن للسيد ترمب السيطرة عليها، كما أنها تثير أيضاً الخلافات مع الحلفاء والخصوم على حد سواء، الذين قد يعصفون بالمصالح الأميركية في كبح جماح سلوكيات إيران السيئة في المنطقة.
إن تقلبات تلك المنطقة المشتعلة من العالم قد تجلت مجدداً يوم الجمعة الماضي، مع حشود الميليشيات الشيعية الموالية لإيران برفقة القوات الحكومية العراقية بالقرب من مدينة كركوك العراقية، حيث يهددون القوات الكردية الرابضة هناك، التي كانت ذات أهمية كبيرة للولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم داعش الإرهابي. وهذا من بين التحديات المجهولة لسياسات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، كما هو الحال على الدوام، وقد تسعى الولايات المتحدة إلى ممارسة الضغوط الشديدة على وكلاء إيران في المنطقة، غير أن طهران في وضع يمكنها من الرد المباشر، وبطرق من شأنها تعريض شركاء الولايات المتحدة للخطر، مثالاً بالأكراد، وحتى القوات الأميركية المنتشرة هناك أيضاً.
وفيما يخص الاتفاق النووي، كان خطاب السيد ترمب يتحرك في اتجاهين مختلفين في آن واحد. على المدى القريب، كان الرئيس الأميركي يهذر، إذ قال إن «إيران لا ترقى إلى روح الاتفاق»، ولكنه استبعد تماماً مسألة فرض العقوبات الأكثر صرامة على إيران من جانب الكونغرس. غير أن الخطاب تضمن هذا التحذير القاسي: «في حالة عدم مقدرتنا التوصل إلى حل مع الكونغرس ومع حلفائنا، فسوف ينتهي الاتفاق النووي تماماً».
وكانت ردة الفعل الأوروبية سريعة، وغير سارة. بعد ساعة واحدة من نهاية خطاب السيد ترمب، أصدر قادة بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا بياناً مشتركاً يحضون فيه الكونغرس الأميركي على عدم فرض عقوبات جديدة من شأنها «تقويض» الاتفاق المبرم، مؤكدين أن الدول الثلاث، التي ساعدت في التفاوض بشأن الاتفاق، تعلن عن التزامها التام بتنفيذ بنوده.
ويعد البيان الأوروبي من الأهمية بمكان لسببين. أولاً أنه يعكس أن آمال ترمب في حشد تأييد الحلفاء لإعادة إجراء المفاوضات بشأن الاتفاق (إذ يرغب الرئيس الأميركي في تمديد فترة الاتفاق وتأمين إنفاذ أكثر صرامة لبنوده) تكاد تكون في غير محلها تماماً. ولعل الأهم من ذلك، وكما أخبرتني بعض المصادر الإيرانية المطلعة، أنه إذا أكدت أوروبا على امتثالها لبنود الاتفاق (كما أعلن قادة الدول الثلاث)، ولم يُمرر الكونغرس الأميركي (كما هو متوقع) تشريعات بفرض عقوبات جديدة، فمن المرجح لإيران أن تظل على التزامها وامتثالها أيضاً. وبالتالي، فإن البيان الأوروبي قد يساعد في استمرار الاتفاق النووي على حاله، في الوقت الراهن.
حاول كبار مستشاري السياسة الخارجية في إدارة ترمب توصيف خطاب الرئيس بشأن إيران كجزء من جهود موسعة لإحكام السيطرة على سلوكيات طهران العدائية في منطقة الشرق الأوسط. ولقد أصدر البيت الأبيض «صحيفة وقائع» من أربع صفحات، قبل خطاب الرئيس الأميركي، يعدد فيها السلوكيات الإيرانية العدائية في المنطقة، وأضاف قسماً مقتضباً يتعلق بالاتفاق النووي يقول: «إنه لا بد من إنفاذه بكل صرامة»، وأنه يتعين على الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن «تستخدم سلطات التفتيش لديها استخداماً كاملاً».
ولقد أعرب أحد كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، ممن يساعدون في صياغة الاستراتيجية الأميركية حيال إيران، عن رأيه في الحملة الدولية الموسعة لمواجهة السلوكيات العدائية الإيرانية في المنطقة عبر مقابلة هاتفية يوم الجمعة الماضي. ولقد تحدث حول اتخاذ خطوات معينة لاحتواء إيران في اليمن، ولبنان، والخليج العربي، وفي أماكن أخرى. كما أكد أن الحلفاء الأوروبيين يعملون معنا بالفعل في كبح الجماح الإيراني. وبعد عدة ساعات، أصدر القادة الأوروبيون الثلاثة بيانهم الحاسم المشار إليه آنفاً.
وتعد المواجهات الجديدة بين القوات الحكومية العراقية والقوات الكردية من أبرز الأمثلة على مدى تعقيد التضاريس الإقليمية في المنطقة، ومدى تأثر المصالح الأميركية سلبياً بسبب النزاعات المحلية الناشئة.
وكانت الحكومة العراقية، التي يعتريها غضب شديد من الاستفتاء الكردي في الشهر الماضي، قد حشدت القوات وقطع المدفعية بالقرب من مدينة كركوك التي يسيطر عليها الأكراد. ووفقاً للمصادر الكردية، أصدر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إلى الجانب الكردي، قائمة مطالب تشتمل على نقاط ست، بما في ذلك تسليم السيطرة على مطار كركوك، والحقول النفطية، ونقاط التفتيش العسكرية إلى الجيش العراقي الذي تهيمن عليه الأغلبية الشيعية.
ولقد أكد أحد كبار المسؤولين الأكراد في رسالة بالبريد الإلكتروني: «من المهم أن يعرف العالم أن هذه الحملة تحت قيادة الجنرال قاسم سليماني (قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإيراني)». ولا يمكن التحقق من هذه المزاعم، غير أنها تعكس حالة القلق العارمة التي تضرب المنطقة الآن.
وفي مواجهة العديد من بؤر التوتر في محاولة احتواء المد الإيراني، تخير الرئيس الأميركي أن يدفع بالاتفاق النووي إلى واجهة الأحداث مرة أخرى. وعوضاً عن التركيز على السلوكيات العدائية الإيرانية في المنطقة، سوف يتجه الكونغرس الأميركي والحلفاء الأجانب للانشغال من جديد بالتصريحات الرئاسية ذات الصيغة التهديدية بشأن مستقبل الاتفاق النووي. وسوف تدور رحى الجدال والنقاش حول دونالد ترمب بأكثر من إيران. ولكن ربما هذا هو غرضه من الأمر برمته.
- خدمة «واشنطن بوست»