تغيير «صورة الآخر»: في ضرورات البحث عن السياسات العامة

تغيير «صورة الآخر»: في ضرورات البحث عن السياسات العامة

الجمعة - 18 محرم 1435 هـ - 22 نوفمبر 2013 مـ رقم العدد [12778]
د.سامح فـــوزي
كاتب مصري وباحث أكاديمي، مدير مركز دراسات التنمية بمكتبة الإسكندرية، وعضو مجلس الشورى المستقيل عن التيار المدني.

عقد في العاصمة النمساوية فيينا، الأسبوع الماضي، على مدار يومين، مؤتمر دولي حاشد، دعا إليه مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي للحوار بين الأديان والثقافات، وحضره ما يقرب من ستمائة مشارك ما بين مثقفين، وعلماء دين، وصناع سياسة، ونشطاء في العمل الأهلي من شتى الثقافات، والأديان، والدول. بعضهم له باع في القضية منذ سنوات وربما عقود، وبعضهم من الشباب. عنوان المؤتمر هو «صورة الآخر»، لكنه امتد ليشمل جلسات عامة، وحلقات نقاشية مصغرة حول موضوعات كثيرة تتصل بالقضايا الفكرية والسياسية والإعلامية. وأبرز ملمح في تشكيل المؤتمر، هو توسيع دائرة المشاركة لتشمل مختصين وخبراء ومثقفين وصناع سياسة، وهو اتجاه مهم في تشكيل مساحات النقاش والحوار بحيث لا تقتصر على خبراء أو باحثين في غرف مغلقة، بل تمتد إلى الدوائر التي تصنع السياسات، وتنقل الفكر إلى حيز التطبيق، وتنظر في إشكاليات الممارسة، وإمكانية تحقيق الأفكار.

ورغم أن المؤتمر تناول قضايا شتى، فإن قضية التعليم نالت اهتماما رئيسا، وفي ذلك دلالة مهمة. المؤسسات الدينية والأسرة والقبيلة والجماعات الإثنية تنشئ أبناءها على المشترك بينهم استنادا إلى وحدة الاعتقاد أو الانتماء الأولى، ولكن المؤسسة التعليمية تجمع أفرادا مختلفين في الدين أو الوضع الاجتماعي أو الخلفية الثقافية بهدف غرس المشترك في وجدانهم، وإيجاد مساحة صلبة يلتقون حولها رغم اختلافهم في كثير من فرص الحياة، وتصورات الذات والرغبات. وإذا كان للمؤسسة التعليمية دور على مستوى تشكيل الوجدان الوطني، فإن دورها بات ملحا في تشكيل الوجدان الكوني. وفي هذا الخصوص، دار حوار بين الكثير من الوزراء المعنيين بملف التعليم حول المبادرات التي يمكن الأخذ بها في هذا المجال. ذكرت تجارب كثيرة، منها تجربة «جامعة الملك عبد الله للعلوم والتكنولوجيا» التي تجمع طلابا وطالبات من أكثر من ستين جنسية يدرسون قضايا الفقر، ونقص الغذاء، وتوفير مصادر بديلة للطاقة، وغيرها من المشكلات البيئية التي تهدد البشرية. هذه الجامعة تأتي - حسب تعبير وزير التعليم بالمملكة العربية السعودية - في سياق استراتيجية وطنية، حتى يصبح المواطن منتجا للمعرفة، إيجابيا في التعامل مع العالم المحيط به. تجربة أخرى ذكرها الوزير المختص بالملف في لبنان بشأن تأكيد الحقوق والحريات، والهوية الوطنية، وتأكيد الانتماء، والمشاركة في برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مناهج التعليم بهدف تشكيل وجدان المواطن على مفاهيم التنوع والتعايش والديمقراطية. وذكر وزير باكستاني أن بلاده تسعى إلى توسيع المعرفة بثقافة الآخر، والتسامح مع معتقداته من خلال الاحتفال في المدارس بالأعياد الدينية للأقليات الدينية مثل المسيحيين والهندوس، خاصة في الأماكن الجغرافية التي يتركزون فيها. أما التجارب الأوروبية، خاصة الخبرة الألمانية، فهي مسكونة بهواجس اندماج المهاجرين عامة والمسلمين خاصة، وتغيير الصور النمطية الخاطئة التي تلاحقهم، ولا سيما أن الوزيرة المعنية بالملف من أصل تركي، وتدرك أهمية الوحدة في إطار التنوع. وقد لفتت الانتباه إلى قضية قلما تستدعي انتباه المختصين، وهي المدارس التي تجمع المهاجرين من أصول عرقية متنوعة كانت أسرهم يوما في موضع التطاحن والحرب في دولهم الأصلية مثل المهاجرين من الصرب والبوسنة والهرسك، أو الأكراد والعرب، وغيرهم، وهو ما يؤكد أهمية الحوار، والتدريب على إدارة الاختلاف بشكل سلمي متحضر. كل ذلك يؤكد حقيقة أساسية، يعرفها المختصون في مجال التعليم، خاصة ما يعرف بالتربية المدنية، أن القيم المجتمعية الأساسية يتعلمها المواطن منذ الصغر في المؤسسة التعليمية، وهو ما يجعل من الوطن ممارسة أكثر منه حقيقة مجردة بالنسبة له.

المؤتمر - بهذا الحضور الكبير في مدى زمني محدود - لم يكن بهدف الدراسة المتعمقة لقضية بعينها، بقدر ما شكل مساحة للتفاعل بين أبناء أديان وثقافات متنوعة من ناحية، ووفر مجالا لبناء الشراكات، وشبكات التواصل العابرة للأديان، والثقافات، والقارات، وأيضا التواصل بين المختص وصانع القرار، بين صاحب الفكر ومتخذ السياسة، وهي مساحات عادة ما تغيب عن الفعاليات الثقافية والحوارية المعتادة.

استوقفني إعلامي - على هامش اللقاء - باتهام مستبطن في سؤال: ما فائدة لقاءات النخبة التي تتناول ثقافة الحوار بينما المجتمعات تتمزق في حروب وصدامات مسلحة ونزاعات نتيجة كراهية الآخر وعدم الرغبة في قبوله؟ الإجابة يسيرة. يكفي أن نذكر الناس بأهمية الحوار حتى لا يعدوا العنف الأداة الوحيدة لتسوية الاختلافات فيما بينهم، ولكن هذا المعنى الرمزي للفعاليات التي تدور حول ثقافة الحوار لا يخفي حقيقة مهمة وهي أن الحوار ينبغي أن يخرج من حيز الدراسة إلى الممارسة، خاصة في مؤسسات التنشئة - أعني الأسرة، الدين، الإعلام، والتعليم. هذه هي الإشكالية الحقيقية التي تجعل من الحوار فائدة، وغاية، ومعنى. في مناسبات كثيرة تنخرط النخبة في حوارات لا تنتج مفعولا على أرض الواقع، أو تكون على أحسن تقدير منحصرة في غرف مغلقة، بينما المجتمع المحيط بها ممزق، منقسم، يعيش في مسلسل مستمر من الكراهية. هذه هي وظيفة صانع السياسة في أي مجتمع؛ أن يلتقط الأفكار، ويجعل منها جزءا من السياسات العامة في الدولة في التعليم والصحة والتدريب والخطاب الديني.

* مدير مركز دراسات التنمية في مكتبة الإسكندرية


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو