كانت الاحتجاجات الأولى ضد الإصلاحات، التي اقترحها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فيما يتعلق بسوق العمل، كاسحة، في وقت ظلت فيه كثير من الاتحادات الكبرى بعيدة عن المشهد. وتراوحت أعداد المشاركين، بين 223 ألفاً، بحسب تقديرات الشرطة، وبين 500 ألف بحسب تقديرات الكونفدرالية العامة للعمل، الاتحاد الأكبر في البلاد. أياً كان عدد المشاركين، كانت الاتحادات الفرنسية منقسمة ذنفسها، ويصبّ ذلك في صالح محاولات ماكرون الإصلاحية.
وليس هذا أمراً اعتيادياً، فمن المعروف أن الاتحادات الفرنسية تتوحد دوماً ضد أي إصلاحات داعمة للسوق أياً كان شكلها، خاصة الإصلاحات الخاصة بسوق العمل. دعم جان كلود مالي، الأمين العام لاتحاد قوة العمل، مشروع القانون رغم انتقاده له. ولم تتخذ الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل المعتدلة، موقفاً رسمياً حتى الآن واكتفت بالقول إنها لا تزال تنظر في الأمر.
على الجانب الآخر، أدان الاتحاد الفرنسي للإدارة - الاتحاد العام للكوادر، مشروع القانون باعتباره أكثر ملاءمة لتيار اليسار المتطرف. ما الذي يحدث؟
بعض من هذا ليس سوى جزء من الخلافات السياسية المعتادة، حيث يقال إن مالي، الذي اعتاد التحالف مع الكونفدرالية العامة للعمل، يحاول الاضطلاع بدور أقل أهمية، وبالتالي يبحث عن فرص لتمييز اتحاده عن شريكه الأرفع شأناً. مع ذلك هناك عوامل بنيوية أخرى مؤثرة أيضاً ومنها تغير أوضاع الاتحادات الفرنسية، حيث أصبحت أكثر استجابة لمخاوف أعضائها.
من المعروف عن الاتحادات الفرنسية اتخاذها مواقف حازمة وصارمة ومقاومة لكل أشكال الإصلاحات. بعد الحرب العالمية الثانية، أراد القادة الفرنسيون إقامة «اقتصاد سوق اجتماعي» على الطريقة الألمانية يكون العمال فيه ممثلين في مجالس الإدارة، ويكونون أيضاً مشاركين رئيسيين في عملية اتخاذ القرار في الشركات والمؤسسات. تم وضع نظام «التمثيل» بحيث تتمكن أي شركة، أو قطاع صناعة، أو حكومة من التفاوض على قوانين وقواعد العمل مع تلك الاتحادات، التي تعد «ممثلة» للعمال المعنيين، بموجب وقوة القانون.
الخطيئة الكبرى لنظام ما بعد الحرب في فرنسا كانت اختيار القانون للاتحادات التي تعتبر «ممثلة» للعمال، أي كانت نتائجها في الانتخابات، أو عدد أعضائها، مما يمنحهم حماية قانونية، ويعفيهم من أي مساءلة أمام أعضائها والعاملين. لا يريد أكثر العمال، والعاملين، والمديرين تنظيم إضراب، أو احتجاج على كل شيء بسيط، حتى في فرنسا. مع ذلك لم تكن هناك مساءلة للاتحادات أمامهم، ولم يكن هناك حافز يدفعهم نحو إرضائهم وتلبية مطالبهم.
لذلك أصبحت الاتحادات أشبه بالآلات السياسية، ففي ظل عدم وجود دافع لتقديم خدمات للعمال، كان أكثر الذين اتجهوا للانضمام إليهم إما متطرفين آيديولوجياً، أو موظفي حكومة، لأن قوانين الخدمة المدنية تشجع على عضوية الاتحاد، وتمنح الاتحادات القدرة على شلّ حركة البلد بالكامل من خلال تنظيم إضرابات في مؤسسات الخدمة العامة الأساسية. وأدى هذا إلى تضارب واضح، حيث أصبح لدى فرنسا اتحادات قوية للغاية، لكن كانت نسبة العضوية في الاتحادات هي الأقل على مستوى الدول ذات الاقتصادات الكبيرة.
في عام 2008 أحدث إصلاح مهم تغيراً في القواعد والقوانين الخاصة بالتمثيل بالنسبة للاتحادات، حيث تم وضع نتائج الانتخابات في الاعتبار عند صياغة التمثيل. انتشرت نتائج هذا التحول المنهجي ببطء في النظام، حيث ازدادت المشاركة في انتخابات الاتحادات ببطء، ووجد العاملون العاديون البسطاء أن صوتهم مهم حقاً. وخلال شهر مارس (آذار) من العام الحالي حدث زلزال، حيث تصدر اتحاد الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل المعتدل المشهد، متفوقاً على الكونفدرالية العامة للعمل، الأكثر راديكالية.
وبدأت الاتحادات ببطء تدرك أنها لا تستطيع تمثيل قاعدة النشطاء الآيديولوجية، لكن عليها أيضاً التعبير عن القطاع العريض من العمال الفرنسيين، وإلا ستصبح منفصلة.
اتخذ اتحاد قوة العمل، الاتحاد الراديكالي، موقفاً مراوغاً، حيث أدان مشروع القانون في بيان صحافي، وعبّر عن تبنيه صوتاً غير ملزم ضده، لكنه رفض في الوقت ذاته الدعوة إلى تنظيم إضرابات أو احتجاجات، حيث يبدو أن الاتحاد يسير في اتجاه أقرب إلى التوافق والاسترضاء. ويُقال إنه يحاول تبني توجه وسطي بين صورة الكونفدرالية الفرنسية الديمقراطية للعمل المهادنة التي توافق على كل شيء دوماً، وبين صورة الكونفدرالية العامة للعمل الرافضة والمعترضة دوماً.
وقد أحدث هذا وحده تغيراً في المشهد. من الضروري أن يتم صياغة إصلاح ماكرون الخاص بسوق العمل بطريقة تجعله يمر بسلاسة دون إثارة ضجة، وبحيث يحظى بدعم اتحادين على الأقل. قد يؤدي ذلك إلى إضاعة فرصة عمل إصلاحات أكثر ثورية، لكن من خلال استغلال التغيرات البنيوية في مشهد الاتحادات الفرنسية، تتجه كل المؤشرات نحو سير العملية بسلاسة ويسر.
*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»
12:21 دقيقه
TT
ماكرون وترويض الاتحادات العمالية
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
