تفكيك ديكتاتورية التعليم العالي

تفكيك ديكتاتورية التعليم العالي

الأربعاء - 8 ذو الحجة 1438 هـ - 30 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14155]
في البلدان الغنية بشمال غربي أوروبا، سيطرت نخبة التعليم العالي على المجال السياسي برمته. وأعضاء مجالس الوزراء من أصحاب الدرجات الجامعية المرموقة ليسوا بالشيء الجديد، ولكن المزيد من مقاعد البرلمان في هذه البلدان صار يحتلها خريجو الجامعات. وفي بعض الدول، فإن حصة أصحاب التعليم العالي الشاغلين لمقاعد البرلمان لم يسبق لها مثيل من قبل. وفي بلدان أخرى، لم تكن هذه النسبة بمثل هذا الارتفاع منذ بدايات القرن التاسع عشر، عندما كانت السياسة، وبصورة شبه حصرية وقتذاك، نشاطاً مقتصراً على أبناء طبقة النخبة من أبناء المجتمع.
تلك البيانات مستمدة من كتاب جديد، مهم، ومثير للدهشة يحمل عنوان «الدبلومة الديمقراطية وصعود الاستحقاق السياسي»، وهو من تأليف عالمي السياسة الهولنديين مارك بوفنز من جامعة أوتريخت وأنخريت ويلي من جامعة لايدن. ويدور تركيزهما على بلدان قليلة في أوروبا، غير أن اتجاهات مماثلة صارت واضحة بطبيعة الحال في الولايات المتحدة الأميركية كذلك.
وجزء من السبب في ذلك هو غير خبيث بالمرة: التحاق الكثير من المواطنين بالتعليم الجامعي، وبالتالي فإن كثيرا من الناس سوف يلتحقون بالعمل السياسي بعد التخرج. كذلك، فإن الحكومات الحديثة تتعامل فعلياً مع خيارات سياسية شديدة التعقيد. وليست بالفكرة السيئة وجود أناس ماهرين ومتعلمين ومثقفين يساعدون في تحديد هذه الخيارات، أليس كذلك؟
حسناً، يتوقف الأمر على نوعية الخيارات. يقول العالمان بوفنز وويلي إنه في حين توافر مبررات هيمنة أصحاب التعليم الراقي على المناصب التنفيذية والإدارية رفيعة المستوى، فإن المشكلة العويصة للغاية بالنسبة لهم تتعلق بسيطرة هذه النخبة على السياسة التمثيلية (البرلمانية) كذلك.
بالنظر إلى تشكيل مجلس النواب في البرلمان الهولندي، فمن بين 150 عضواً منتخبين في عام 2012، يذكر العالمان بوفنز وويلي أن 145 عضواً (أي 97 في المائة من أعضاء مجلس النواب) قد التحقوا بالجامعة أو بكلية للدراسات العليا، وأن 137 عضواً منهم (أي 91 في المائة) يحمل على الأقل درجة جامعية معادلة لدرجة البكالوريوس. هذا في بلد نسبة أصحاب الشهادات الجامعية من السكان الذين تتراوح أعمارهم بين 25 و54 لا تتجاوز 39 في المائة، وأن أبرز الزعماء السياسيين في القرن العشرين كان رجلاً يحمل شهادة الثانوية العامة، والذي التحق ببعض الدورات التدريبية في فن الاختزال على هامش ذلك. ولقد انخفضت النسبة فعلاً إلى 90 و86 في المائة بعد انتخابات العام الحالي، ولكن بوفنز وويلي قالا إنه من المبكر للغاية، وإن عينة البحث صغيرة للغاية للإعلان عن التغير أو الانعكاس في الاتجاه المسجل حتى الآن.
وتكمن المشكلة في عدم التطابق الملحوظ بين الممثلين البرلمانيين والسكان في أنه كما يقول العالمان بوفنز وويلي: «المؤهلات الدراسية من المؤشرات المهمة للوضع الاجتماعي وهي ترتبط ارتبطاً وثيقاً بنمط الحياة، والمواقف الثقافية، والتوجهات السياسية. مثل الطبقة الاجتماعية أو الدين المعتنق، فإن الخلفية التعليمية هي من المصادر المهمة للانقسامات السياسية والاجتماعية».
وهناك في واقع الأمر دلائل تشير إلى أن الخلفية التعليمية صارت أهم مصادر الانقسامات السياسية والاجتماعية. ومن المؤكد أنها أصبحت واحدة من المؤشرات الأولية على تصويت الناخبين في بعض البلدان، والتي يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية قد التحقت بصفوفها مؤخراً في انتخابات عام 2016 الرئاسية الأخيرة. ومن الممكن لبعض من هذا أن يرقى لمرتبة أصحاب التعليم الجامعي الراقي الذين يحملون آراء سياسية أكثر تطوراً وربما تعقيداً من مواطنيهم الأقل تعليماً أو إطلاعاً. ولكن الكثير من ذلك يتعلق بمجرد أنهم يعيشون في مجتمعات مختلفة، ويرسلون أطفالهم إلى جامعات وكليات مختلفة، ويعملون في وظائف مختلفة، ويقضون أوقات فراغهم بطرق مختلفة بأكثر ممن لم يحصلوا على الشهادات الجامعية.
وأن تحل هذه المؤهلات الدراسية محل الفوارق الطبقية القديمة هو أمر توقعه عالم الاجتماع البريطاني والناشط في حزب العمال المعارض مايكل يونغ في عام 1958، وكما كتبت في مقالة قبل عام سابق، فإن المصطلح الذي صاغه السيد يونغ وقتذاك لتوصيف حالة الأمور - «الاستحقاق» - كان قد استخدم مع دلالات إيجابية للغاية. ولكن العالم الذي وصفه السيد يونغ في روايته الساخرة بعنوان «صعود الاستحقاق» كان عالما من الواقع المرير، وفيه كان الانقسام بين أولئك الذين يملكون الاستحقاق وبقية أبناء الشعب (أو «البلداء» كما يذكرها يونغ في روايته) صارخا للغاية، وأقل تسامحا من الانقسامات الطبقية الاجتماعية التقليدية المشاهدة.
يدرك العالمان بوفنز وويلي هذا الاحتمال السلبي للاستحقاق، وهما يذكران السيد يونغ في غير موضع من كتابهما المشترك. كما أنهما يستشهدان بكتاب الجمهورية لأفلاطون، والذي يبدو وأنه يؤيد تولي الملوك الفلاسفة من أصحاب التعليم الراقي مسؤولية قيادة الحكومات. بيد أنهما يلاحظان أن أفلاطون لديه بعض الأفكار المثيرة للاهتمام بشأن كيفية الحيلولة دون تحول هؤلاء «الأوصياء على الحكم»، كما أطلق عليهم، إلى طبقة الحكام الدائمين: فيجب ألا يتمكنوا من امتلاك العقارات والأراضي، كما يجب ألا يسمح لهم بمعرفة أطفالهم.
وبصرف النظر عن هذه التدابير الصارمة، فما الذي يمكن فعله للتعامل مع صعود الدبلومة الديمقراطية؟ إحدى أكبر العقبات على الطريق هي أن الفئة الأقل تعليما هي الأقل احتمالا للمشاركة في أو حتى الاهتمام بالعملية السياسية. وأحد الأنماط الوحيدة للنشاط السياسي والتي لا يوجد فيها اختلاف واضح وفق مستوى التعليم، كما يقول العالمان بوفنز وويلي، هي متابعة الأخبار السياسية عبر التلفاز. وجهود زيادة التفاعل الجماهيري في العملية السياسية أسفرت في شقها الأكبر عن توسيع هذه الفجوات، إذ إن أصحاب التعليم العالي هم الأكثر احتمالا للمشاركة في اللقاءات الجماهيرية، والتواصل مع الممثلين السياسيين، والمشاركة في مناقشات وسائل الإعلام الاجتماعية، وما شابه ذلك.
وتترك هذه الصعوبة العالمين بوفنز وويلي مع قدر كبير من المقترحات المتباينة لمحاولة إصلاح الأوضاع. وتشمل مقترحاتهما المزيد من التربية المدنية في المدارس الثانوية، وإجراء المزيد من الاستفتاءات، والحد من ممارسة الضغوط لكسب التأييد، والتصويت الإلزامي، والانتخابات المباشرة لبعض المسؤولين الحاكمين (في مقابل انتخاب النواب الذين يختارون المسؤولين الحاكمين، كما هو معتاد ومألوف في معظم البلدان الأوروبية)، وحتى اختيار بعض النواب البرلمانيين بأسلوب القرعة.
وعندما سألتهما عبر البريد الإلكتروني حول موقف الولايات المتحدة في مقابل البلدان الأوروبية التي أخضعاها للدراسة في «التعامل» مع الانقسامات السياسية القائمة على التعليم، كان ردهما: «يعتمد هذا بطبيعة الحال على التأقلم. وإحدى طرق التعامل مع الأمر من خلال تحقيق الانسجام بين السياسيين والناخبين: فالمواطنون الأميركيون الأقل تعليما، على سبيل المثال، لديهم رئيس يعالج القضايا المهمة بالنسبة لهم (وما إذا كان قادرا على إصلاحها فسوف يعود بنتيجة مختلفة تماما بطبيعة الحال)». وأظهرت الأبحاث الأخيرة في هولندا أن التطابق في القضايا المهمة بين مجلس الوزراء والناخبين الأقل تعليما قد ارتفع عندما شارك الحزب الليبرالي الديمقراطي والحزب الشعبوي (وهما من أحزاب الحركات الشعبوية القومية والمشككين في جدوى الهجرة) في الائتلاف الحاكم - مما أدى إلى مستويات أعلى من الثقة السياسية بين جموع السكان الأقل تعليما.
وهناك طريقة أخرى للنظر في الأمر من خلال عدسة الاستقرار السياسي. فأنظمة الأغلبية السياسية، كما هو الحال في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، تعاني من عدم الاستقرار وعدم الكفاءة بسبب التحولات السياسية المفاجئة. أما الأنظمة التناسبية القائمة على الائتلافات، كما هو الحال في هولندا والدنمارك وألمانيا، هي أكثر بعثا على الملل والضجر السياسي، ولكن على المدى البعيد هي أكثر مقدرة على التعامل مع التحديات السياسية الناشئة وعلى استيعابها بصورة أكثر سلاسة.
ومن الموضوعات الرئيسية التي تمتد عبر صفحات الكتاب تتعلق بالآراء السياسية للسكان الأقل تعليما، والتي تستحق أن تُسمع، حتى وإن كانت بعض هذه الآراء هجومية، على سبيل المثال، من وجهة نظر أساتذة العلوم السياسية في الجامعات الكبيرة. وفي الولايات المتحدة، فإن بعض المناقشات النخبوية للحركات الشعبوية، والقومية، وفي بعض الأحيان الاتجاهات التي أطلقها دونالد ترمب خلال فترة الترشح للانتخابات الرئاسية لا تزال قيد التركيز بغية محاولة القضاء عليها والتخلص منها. ويبدو العالمان بوفنز وويلي، واللذان بلغت الثورة الشعبوية في بلادهما عامها الخامس عشر، أكثر اهتماماً بالعثور على سبل استيعاب هذه الآراء من دون تعريض الديمقراطية الليبرالية للخطر. ربما يمكننا أن نتعلم شيئاً من ذلك.

*بالاتفاق مع «بلومبيرغ»

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة