«محفلط مزفلط»

«محفلط مزفلط»

الأحد - 5 ذو الحجة 1438 هـ - 27 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14152]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

دخل المقهى في تاريخ بضعة مدن حول العالم دون أخرى. دائماً بسبب الأدباء أو الفنانين الذين كانوا من رواده: فيينا، والقاهرة، وباريس، وإلى حد ما بيروت. أشهر هذه المقاهي كان «ريش» في القاهرة بسبب أكثر الروائيين العرب شهرة، نجيب محفوظ. ولما انتقل إلى «الفيشاوي» بسبب التصليحات في «ريش»، نقل الشهرة معه. ثم نقلها مؤقتاً إلى مقهى أكثر شعبية في «ميدان التحرير»، الذي تعودت جميع الشهرات أن تنطلق منه، أو من حوله.
بداية الأحداث في سوريا، أسرعت الدولة إلى إغلاق ساحة الأمويين في دمشق؛ تجنباً لميدان تحرير آخر. الميادين والساحات والطرقات العريضة، لا يُنصح بها في المدن. الأخيرة؛ لأنها تسهل هروب الجناة. والصين ألغت الأشجار في «المدينة المحرمة» لأن الجناة كانوا يقفزون على ضحاياهم من أغصانها.
لكن هذا مجرد استطراد عفوي، وموضوعنا مقهى «ريش» الذي كتب عنه كثيرون وكُتِبَ عنه الكثير، بما في ذلك هذه الزاوية. وكان الذهاب إلى «ريش» من أوائل برنامج الزيارة إلى القاهرة. ليس فقط بالنسبة إلى محبيها وغواتها والمضنين بها، كما في قول أمير الشعراء «مضناك جفاه مرقده» – إذن، ليس هؤلاء فقط، بل فيلسوف الوجودية الفرنسية الذي عندما سُئل ما الأماكن التي يريد زيارتها، لم يقل الأهرامات، بل «ريش»؛ لأنها تذكره «بالدوماغو» في باريس، حيث كان يلتقي رفاقه كل يوم، وحيث كتب، في الدفء، الكثير من كتبه بعيداً عن صقيع منزله.
وكانت المقاهي تسهّل حياة الكتّاب والأدباء والشرطة السرية والمخبرين المتطوعين. وبعض هؤلاء كان يدعي الانتساب إلى الحبر والفكر، وليس له فيهما إلا دناءة الافتراء. أما الشرطيون أنفسهم، فكانوا مهنيين وذوي ضمائر. ونعرف في هذه المهنة عدداً من الذين اختنقوا بِخِسَّتهم.
لم نكتب فقط المقالات في «ريش»، بل القصائد أيضاً. ومن أطرف وأظرف الشعر كانت عامية «الفاجومي» أحمد فؤاد نجم، الذي جعل رواد المقاهي – وغيرهم – يتناقلون شعره المرّ؛ تفريجاً عن كرب، وتمتعاً بعذوبات الحدة.
وفيها يقول: «يعيش المثقف على مقهى ريش - يعيش يعيش يعيش - محفلط مزفلط كتير الكلام - عديم الممارسه - عدو الزحام - بكام كلمة فاضية وكام اصطلاح - يفبرك حلول المشاكل قوام - يعيش المثقف - يعيش يعيش يعيش».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة