كاد المعلم أن يكون رسولا

كاد المعلم أن يكون رسولا

الجمعة - 3 ذو الحجة 1438 هـ - 25 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14150]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ
رغم كل ما يقدمه المعلمون من خدمة أساسية للمجتمع، فإننا قد اعتدنا على سماع أقاصيص وكلمات ساخرة عنهم. لا أدري ما السر. فكلنا تلقينا أول دروسنا في الحياة على أيدي المعلمين وندين لهم بكثير من أخلاقنا ومعارفنا ومعلوماتنا. ومع ذلك، فقلما أنصفهم أحدنا؛ لا بالأجور ولا بالتقدير والاحترام. حتى هذا العالم الجليل؛ الجاحظ، أفرد جزءاً كبيراً من مؤلفاته للسخرية من المعلمين. ومع ذلك، فلم يَكِل له المعلمون الصاع صاعين بحذفه من مناهجهم المدرسية للأدب العربي. لو كنت مكانهم لحذفته كلياً من دروسهم.
من أعجب العجب أننا نرميهم بصغر العقل، ومع ذلك نأتمنهم على تربية أولادنا. لا أدري من منا صغير العقل، ولكن الظرفاء أصروا على التنكيت على صغر عقل المعلمين؛ فقيل: من أين يأتيهم العقل إذا كانوا يقضون نهارهم مع الأطفال في المدرسة ولياليهم في البيت مع المرأة؟
تعددت الأمثال والأقوال. ومنها قول: «خجلاً من جنابكم». وللمثل تطبيقات وحكايات، وهو ما يذكرنا بالقول الآخر: «العذر أكبر من الذنب». وحكايته واحدة من الحكايات الكثيرة المرتبطة بالمعلمين. قالوا: إن مفتشاً ذهب للتفتيش بإحدى المدارس عن التقدم في تدريس اللغة الإنجليزية. دخل أحد الصفوف، فراح المعلم يستعرض مدى فهم التلاميذ لهذه اللغة. نادى على التلاميذ بالإنجليزية: قفوا، فوقفوا. ارفع اليد اليسرى، ففعلوا. ارفعوا الرجل اليمنى، فرفعوها. ارفعوا أرجلكم اليسرى، فسقطوا جميعاً على الأرض. التفت المعلم للمفتش وقال: إن التلاميذ سقطوا على الأرض «خجلاً من جنابكم». وسارت الكلمات مسرى الأمثال.
وتذكرني الحكاية بحكاية المعلم الآخر الذي جاءه أيضاً مفتش الوزارة. دخل غرفة الدرس وأراد أن يختبر الطلاب، فسأل أحدهم عن القلب ومكانه، فأجابه، وسأل آخر: هل للبعير قلب؟ قال: نعم. ثم سأل تلميذاً غيره: هل للفأر قلب؟ قال: نعم. ما إن خرج المفتش حتى انهال المعلم ضرباً على هذا التلميذ... كيف تحرجني أمام المفتش وتقول إن للفأر قلباً؟ ألا تعرف أن القلب أكبر من الفأر؟ حكايات المعلمين مع المفتشين من نوادر حكاياتنا اليومية.
طرائف المعلمين باب كبير من أبواب الأدب والسخرية، وأفرد له الجاحظ كتاباً خاصاً بعنوان «نوادر المعلمين». غير أن أمير الشعراء شاء أن يصحح هذا الانطباع عن المعلمين بقصيدة خلدته بمطلعها البليغ:
قم للمعلم وفِهِ التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
لقد حفظ أكثرنا هذا البيت، بيد أنه لم يساعد المعلمين لا في رواتبهم الزهيدة ولا في تقديرهم، وبقينا نصِف المعلم بأنه «سقيع العقل». قلما سمعت عن معلم لا يفكر في الهجرة من مهنته، والانتقال إلى أي مهنة أخرى؛ مع الأسف.

التعليقات

محمد أحمد محمد
البلد: 
القاهرة / مصر
25/08/2017 - 01:51

ليس المعلم فقط من يفكر في الهجرة في مهنته.في بلدي مصر الصيدلي ايضا يفكر في الهجرة من مهنته بسبب صعوبة وضعه.

محمود مرزا
البلد: 
الهند
25/08/2017 - 04:18

مقالة في أروعها، ولكن الأمم المتقدمة لا تزال تحترم الأساتذة احتراماً يفوق الخيال، حيث يقال أن محكمة كانت على وشط إصدار حكم على أحد الأساتذة لمخالفة لم يستطع سدادها، وعندما طلب القاضي منه إفادته عن سبب عدم دفعه الغرامة، أخبره الأستاذ بأنه مدرس ولذلك لم يستطع أن يحصل على فرصة لسداد المخالفة، فوقف القاضي احتراماً له. ولكن للأسف الشديد فإنه طالما استمر الطلاب في استهتارهم وسخريتهم من أساتذتهم فإن أوضاعهم وأحوالهم ستتدهور هي الأخرى حتى يقعوا في الهاوية...

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
25/08/2017 - 06:20

للاسف الشديد .طرحت وعبرت المقالة. ببساطة عن حقيقة وضع المعلم في واقعنا فهو ضعيف الادراك حقوقة المادية متدنية جدا حقوقة الادبية معدومة متهم بالبلادة وادراك محدود عن الحياة... وكثير من مثل هذه الترهات
علي عكس العالم المتحضر الذي يضع المعلم في مكانة توازي وزير سوا بمقار المرتب الذي يجعلة يعيش بكرامة والحق الادبي.العالي كمعلم ومربي.للاجيال... الخ.ورفع من قدرات علي مدار الاعوام بالتدريب والتطوير ليكون اكثر فاعلية والنتيجة بين حالتنا وحالة الدول المتحضر نلمسها علي الواقع بتدهور مستوي .مخرجات التعليم علميا وادبيا

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
25/08/2017 - 11:33

استاذ خالد القشطينى
لاشك ان دور المعلم فى حياة الانسان هو دور هام جدا لانه ينقله من الظلمات الى النور اى يزيل عنه الجهل ويفتح امامه طريق العلم والمعرفة والبحث العلمى فيوسع افقه ومداركه والمعلم هو صانع الاجيال وعلى يديه يتخرج الاف الطلبة والطالبات كل عام فى شتى فروع العلم والمعرفة ورغم ذلك فان الحكومات المختلفة فى الدول المختلفة لاتولى المعلم مايستحقه من اهتمام ورعاية فتجد ان مرتبات المعلمين ضعيفة للغاية لاتتناسب مع مايبذلونه من جهد لتعليم الابناء مما يضطرهم للجوء الى الدروس الخصوصية لتحسين دخولهم لكى يواجهون متطلبات المعيشة ويقل عطاءهم لتلاميذ المدارس اعتمادا على الدروس الخصوصية بل يضطرون الى اجبار التلاميذ على الحصول على الدروس الخصوصية حتى ينجحوا ويحصلوا على الشهادات الدراسية لذلك يجب ان تولى الدول اهتماما خاصا للمعلمين صانعى الاجيال

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة