الصراع في لبنان وعليه

الصراع في لبنان وعليه

الجمعة - 26 ذو القعدة 1438 هـ - 18 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14143]
حنا صالح
كاتب لبناني
هناك أولوية لبنانية في كشف مصير العسكريين التسعة المخطوفين لدى إرهابيي «داعش»، وتحرير المثلث الحدودي: رأس بعلبك - القاع - اللبوة، (المتصل بجرود عرسال) من رجس الإرهابيين، وإعادة هذه المناطق إلى حضن الوطن. وخروج المجموعة العسكرية «سرايا أهل الشام»، التابعة للجيش السوري الحر، إلى «الرُحيبة» في القلمون الشرقي، وعددهم لم يتجاوز 165 مسلحاً، شكل خطوة لا غنى عنها أمام الجيش اللبناني لبسط سيطرته على محلة وادي حميِّد والملاهي والعجرم، واتخاذه مواقع له على التلال المشرفة على الجرود، وبذلك تمّ إقفال آخر المعابر التي قد تُخطط قوى الإرهاب للتسلل منها باتجاه مخيمات النازحين السوريين في محيط عرسال للاحتماء بها، ولأخذ أهلها دروعاً بشرية، بما يُطيل من أمد المواجهة العسكرية، ويضاعف التكلفة البشرية التي ستنجم عنها، والتكلفة السياسية التي يمكن أن تؤدي إليها.
لكن معركة الجيش اللبناني ليست التكملة لما قيل إنها معركة جرود عرسال، التي كشفت عن اتفاق عميق بين «حزب الله» و«هيئة تحرير الشام» أي جبهة «النصرة»، وبدقة أكبر فرع تنظيم «القاعدة في بلاد الشام». حيث لم تحدث معركة، بقدر ما كان هناك أعمال تمويه بالنار لتغطية اتفاقٍ بين الطرفين برعاية إقليمية (قطر وإيران)، نتيجته فوز «حزب الله» بانتصار إعلامي مدوٍ واستعادة أسراه الثمانية وجثث بعض مقاتليه. وانتقل إرهابيو «هيئة تحرير الشام»، الذين انتهت وظيفتهم في هذه الجرود إلى إدلب، ومنحهم الاتفاق «تحرير» بضعة متهمين بالإرهاب أُفرج عنهم بشكلٍ تعسفي، وأفرج النظام السوري عن أكثر من مائة منهم كانوا في سجونه... وأظهرت خطب «النصر» والكثير من التصريحات، أن دفن الحكم اللبناني الرأس بالرمال، وتجاهل ما يجري على أراضٍ لبنانية، لم يوفر عنه الجروح البليغة التي أصابت ما بقي له من «هيبة». زعيم «حزب الله» حدد دور الجيش بـ«علاقات عامة» ودعا بإصرار لاستكمال المواجهة بالتعاون مع ميليشياته والنظام السوري، وحدّثنا نائبه الشيخ نعيم قاسم عن الثلاثية في التطبيق: «المقاومة» تقاتل والجيش يساند والشعب يدعم!! وتوج نائب قائد الحرس الثوري الإيراني هذه الخطب بإعلانه: «هدفنا من دعم (حزب الله) في لبنان هو أن يصبح مقاتلو الحزب بديلاً عن الجيش اللبناني تحت مسمى الحشد الشعبي اللبناني»!!
انكشاف المستور، وهو معلوم ومفضوح لمن أراد أن يرى، أحرج الكثير من أهل الحكم فأخرجهم عن صمتهم. الرئيس الحريري، وهو صاحب القرار، قال إنه «كان يتمنى» لو قام الجيش بهذه العملية، وهو مدرك أن الجيش نفّذ تعليمات السلطة السياسية، ووزير الداخلية يُقرُّ تلفزيونياً بأن الخاسر مما جرى هو الدولة، وأن ما يقوم به «حزب الله» (إشارة إلى خلية العبدلي وكل تدخلاته) سيضع لبنان تحت الحصار، حتى الوزير جبران باسيل الذي أخذ القيادة العونية إلى القاع ورأس بعلبك، حسم من هناك أن الجيش وحده سيواجه الإرهابيين ويستعيد الأراضي اللبنانية، أما الدكتور سمير جعجع، وهو كما يقدم نفسه: «الشريك» في الحكم، تراجع عن امتداحه «تضحيات» «حزب الله» في جرود عرسال، واعتباره أن «المعركة» حدثت في الأراضي السورية، للتركيز على دور الجيش من الآن فصاعدا... والجميع في مواقفهم المستجدة، كانوا يدركون أن التسوية - الصفقة مع «حزب الله»، والتي بموجبها مُنحوا مقاعد في السلطة، وتحاصص الدولة - الغنيمة، ومواقع إدارية الحاشية، أمور لم يعد يستسيغها أقرب المقربين لا في الطريق الجديدة ولا في الأشرفية أو جونية أو سواها.. وأن نهج رشوة الناس بلغ أقصى مداه، وكل نظام المحاصصة وصل إلى طريق مسدود، وبلغ مسامعهم، وهم يتجهون لإلغاء الانتخابات الفرعية تحسباً لمفاجآت غير سارة، ما يتردد في عشرات الحلقات، وبالأخص الشبابية، من رفضٍ لأن يكون البلد ورقة في ملف، أو مطية لتحقيق هيمنة الآخرين، وأن التنازل عن السيادة هو الوجه الآخر للفساد المستشري والانهيار، حيث يجمع بين الأكثرية الساحقة من الطبقة السياسية عُرى لا تنفصم.
بهذا السياق جرى الذهاب إلى مجلس الدفاع الأعلى الذي كان مُغيباً، وتم الاستماع إلى تقييم موقف من جانب العسكريين، وكان لافتاً جداً أن يعلن رئيس الجمهورية كما رئيس الحكومة، أن الجيش سيحرر الجرود كالتزام من الحكومة تحرير الأرض من الإرهاب. كما جرى التأكيد أن لبنان في هذه المعركة، سيقوم بما يتوجب عليه من دور كطرفٍ في التحالف الدولي ضد الإرهاب. والمعنى واضح، أن الجيش اللبناني الذي لن يقاتل سنتمتراً واحداً خارج الأراضي اللبنانية، ليس جزءاً من محور الممانعة، وأنه قادر وحده على إلغاء وجود إرهابيي «داعش»، من دون أي شراكة مع «حزب الله» أو جيش النظام السوري وسواهما.
هذا الموقف، بدا وكأنه اقترب من رفضٍ عملي، لخطة طهران المعلنة، إقامة جيش رديف من أجل ضمان حضور إيران وتجذيرها في الحياة السياسية والقرار السياسي. ومن الواضح أن أي تمعنٍ بالمنحى العام في المنطقة، يتيح تلمس أن مشروع الهيمنة الإيرانية بدأ رحلة الانهيار، وهي مرحلة ستطول بالتأكيد، لكن أقل بكثير من مرحلة الصعود، وأنه ممكن أيضاً القول إن توافقات كل أهل الحكم في لبنان لم تنهِ الصراع على البلد ومستقبله، لكن مع هذه التوليفة السياسية، لا يجدر التوهم أكثر أو الرهان أكثر، رغم أنه قِيل الكثير عن القدرة على الإمساك بالحدود، سواء في الاجتماعات مع سفراء دول فاعلة، كما مع تدفق أسلحة وذخائر ذكية أنزلتها طائرات أميركية في مطار رياق العسكري.
كل ما يتردد يؤشر إلى أن معركة الجيش، طرحت أهم الأسئلة، عن سُبل وحتمية استرداد السيادة، واستعادة قرار الحرب والسلم، وإنهاء صلاحية ثلاثية جيش وشعب ومقاومة، لمصلحة بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية، كممر إلزامي لأهل الحكم، لو أرادوا فعلاً وضع البيان الوزاري في التطبيق، لجهة النأي بلبنان عن نيران المنطقة والسعي لاستعادة الثقة مع المواطنين.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة