«باندا»: ذكاء اصطناعي صيني يكشف أورام السرطان الصغيرة

الرصد المبكر لسرطان البنكرياس أدى إلى استئصاله السريع

«باندا»: ذكاء اصطناعي صيني يكشف أورام السرطان الصغيرة
TT

«باندا»: ذكاء اصطناعي صيني يكشف أورام السرطان الصغيرة

«باندا»: ذكاء اصطناعي صيني يكشف أورام السرطان الصغيرة

بعد 3 أيام من ذهاب تشيو سيجون، عامل بناء متقاعد من شرق الصين، لإجراء فحص روتيني لمرض السكري، تلقى اتصالاً من طبيب لم يره من قبل. كان الطبيب، رئيس قسم البنكرياس في المستشفى، يطلب منه الحضور لمتابعة حالته.

رصد سرطاني مبكر... واستئصال سريع

يتذكر تشيو، البالغ من العمر 57 عاماً، قائلاً: «كنت أعلم أن الأمر لا يبشّر بخير». كان محقاً جزئياً. فقد كانت الأخبار السيئة هي إصابة تشيو بسرطان البنكرياس. لكنْ كانت هناك أخبار سارة أيضاً: تم اكتشاف الورم مبكراً. وتمكَّن الطبيب، تشو كيلي، من استئصاله.

لم يكن ذلك ممكناً إلا بفضل أداة جديدة تعمل بالذكاء الاصطناعي كان المستشفى يختبرها، التي رصدت الورم في فحص التصوير المقطعي المحوسب الروتيني لتشيو قبل ظهور أي أعراض عليه. وتُعدّ هذه الأداة مثالاً على تسابق شركات التكنولوجيا والمستشفيات الصينية لتطبيق الذكاء الاصطناعي في حلّ بعض أصعب المشكلات الطبية.

سرطان البنكرياس

يُعدّ سرطان البنكرياس من أشدّ أنواع السرطان فتكاً، إذ لا تتجاوز نسبة النجاة منه بعد 5 سنوات 10 في المائة. ويعود ذلك في الغالب إلى صعوبة الكشف المبكر عنه، فغالباً لا تظهر الأعراض إلا بعد تقدّم المرض.

تتضمن الفحوص المُستخدَمة لتأكيد وجوده، كالتصوير المقطعي المحوسب مع حقن مادة لتحقيق التباين، إرسال حزم كبيرة من الإشعة، لذا ينصح كثير من الخبراء بعدم إجراء فحوص الكشف المبكر على نطاق واسع. لكن البدائل الأقلّ إشعاعاً، كالتصوير المقطعي المحوسب دون حقن مادة التباين - حيث لا تُحقن صبغة التباين في مجرى دم المريض - تُنتج صوراً أقلّ وضوحاً، ما يُصعّب على متخصصي الأشعة تحديد أيّ تشوّهات.

«باندا» ذكاء اصطناعي مدرّب

قد يُغيّر الذكاء الاصطناعي هذا الواقع. فقد دُرّبت الأداة في مستشفى تشو، التي طوّرها باحثون تابعون لشركة «علي بابا» الصينية العملاقة للتكنولوجيا، على البحث عن سرطان البنكرياس في التصوير المقطعي المحوسب دون حقن مادة التباين.

تُسمى هذه الأداة «باندا (PANDA)»، اختصاراً لعبارة «رصد سرطان البنكرياس باستخدام الذكاء الاصطناعي (pancreatic cancer detection with artificial intelligence)». وبدأ الأطباء في المستشفى الذي يعمل فيه الطبيب تشو كيلي، وهو «مستشفى الشعب»، التابع لجامعة نينغبو في شرق الصين، باستخدامه بوصفه جزءاً من تجربة سريرية في نوفمبر(تشرين الثاني) 2024.

ومنذ ذلك الحين، حللت الأداة أكثر من 180 ألف صورة مقطعية للبطن أو الصدر؛ ما ساعد الأطباء على اكتشاف نحو 20 حالة من سرطان البنكرياس، 14 منها في مراحلها المبكرة، كما ذكر تشو. واكتشفت الأداة 20 حالة من سرطان غدّي قنوي، وهو النوع الأكثر شيوعاً وفتكاً من سرطان البنكرياس. أما تشيو، فقد كان مصاباً بورم عصبي صمّاوي، وهو نوع نادر وأقل شراسة.

وأوضح تشو كيلي أن جميع هؤلاء المرضى كانوا قد راجعوا المستشفى بشكاوى مثل الانتفاخ أو الغثيان، ولم يسبق لهم مراجعة متخصص بنكرياس. ولم تُظهر كثير من صورهم المقطعية أي مؤشرات تحذيرية حتى نبهتها أداة الذكاء الاصطناعي. وقال: «أعتقد أنه يمكننا القول بكل ثقة إن الذكاء الاصطناعي أنقذ حياتهم».

جهاز رائد بشهادة أميركية

في أبريل (نيسان) الماضي، أعلنت شركة «علي بابا» أن «إدارة الغذاء والدواء الأميركية» منحت جهاز «باندا» صفة «الجهاز الرائد»، ما يعني تسريع عملية مراجعته لتسهيل طرحه في السوق. ويخضع الجهاز حالياً لتجارب سريرية عدة في الصين.

وحذَّر الباحثون من الحاجة إلى مزيد من البيانات الواقعية لتحديد ما إذا كان الجهاز قادراً على اكتشاف عدد كافٍ من الحالات في مراحلها المبكرة بما يفوق مخاطر النتائج الإيجابية الكاذبة والفحوص غير الضرورية. ويدرس علماء آخرون أساليب أخرى تعتمد على الذكاء الاصطناعي للكشف المبكر عن سرطان البنكرياس، مع التركيز بشكل أدق على الفئات الأكثر عرضة للخطر، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى انخفاض معدل انتشار هذا السرطان.

وأعرب عدد من الخبراء غير المشاركين في البحث الصيني عن شكوكهم في قدرة التصوير المقطعي المحوسب دون حقن مادة التباين على توفير معلومات قيّمة مماثلة لأنواع التصوير الأخرى.

وأشار لينغ تشانغ، كبير مهندسي الخوارزميات في أكاديمية «دامو»، الذراع البحثية لشركة «علي بابا»، وأحد مبتكري الجهاز، إلى أن المهندسين القائمين على تطوير «باندا» أنفسهم شاركوا في طرح هذه المخاوف في البداية.

درء أخطاء التشخيص

لمعالجة هذه المشكلة، طلبوا من متخصص أشعة تحديد مواقع الآفات يدوياً في صور الأشعة المقطعية المحوسبة مع حقن مادة التباين لأكثر من ألفَي مريض معروف بسرطان البنكرياس. ثم قام المهندسون برسم خريطة خوارزمية للآفات المحددة على صور الأشعة المقطعية المحوسبة للمرضى أنفسهم دون حقن مادة التباين. بعد ذلك، تم إدخال هذه الصور غير المحوسبة إلى نموذج الذكاء الاصطناعي، ليتعلم كيفية اكتشاف السرطان المحتمل حتى في الصور الأقل تفصيلاً.

وعندما تم اختبار الأداة لاحقاً على أكثر من 20 ألف صورة مقطعية محوسبة دون حقن مادة تباين، تمكَّنت من تحديد 93 في المائة من الأشخاص المصابين بآفات في البنكرياس بدقة، وفقاً لدراسة نُشرت في مجلة «Nature Medicine» عام 2023. وقال تشانغ: «لقد فاجأتنا فاعلية الأداة حقاً».

في مستشفى نينغبو، يُستخدَم النظام لتحليل الصور المقطعية التي طلبها الأطباء مسبقاً لأسباب أخرى، ما يُجنّب المستشفى والمرضى أي تكاليف إضافية للفحص. ويخضع كثير في الصين لفحوص مقطعية محوسبة دون حقن مادة تباين بشكل روتيني كجزء من فحوصهم السنوية؛ وفي مستشفى «نينغبو»، تبلغ تكلفة الفحص المقطعي المحوسب دون حقن مادة تباين نحو 25 دولاراً أميركياً، قبل التأمين.

نموذج ذكي غير قادر على منافسة متخصص البنكرياس

ويراجع تشو وفريقه أي صور مقطعية يُصنّفها النظام على أنها عالية الخطورة، وإذا لزم الأمر، يستدعون المرضى لإجراء فحوص أكثر تفصيلاً. وأضاف تشو أن النموذج لا يزال غير قادر على منافسة متخصص البنكرياس.

وقد يُشير النظام أحياناً إلى حالات التهاب البنكرياس، ولكنه لا يستطيع تحديد ما إذا كان الورم قد نشأ في البنكرياس نفسه أم انتشر من عضو آخر. ومنذ إطلاقه، أصدر النظام تنبيهات لنحو 1400 فحص، ولكن 300 حالة فقط منها استدعت متابعة، وفقاً لتقديرات الأطباء. ويُجرى اختبار نظام «باندا» أيضاً في عيادة بمقاطعة يونان الصينية الريفية.

شكوك اميركية

وقال الدكتور أجيت غوينكا، متخصص الأشعة في «مايو كلينك»، والذي يُجري أبحاثاً حول التشخيص المبكر لسرطان البنكرياس، إن من الضروري تقليل عدد الإنذارات الكاذبة. وكتب في رسالة بريد إلكتروني: «من المحتمل أن يكون مئات الأشخاص في نينغبو قد واجهوا رعباً من احتمال تشخيص إصابتهم بسرطان البنكرياس، وخضعوا لاتصالات غير ضرورية، وربما تحملوا فحوص متابعة مكلفة وجراحية، ليكتشفوا في النهاية أنهم أصحاء».

من جهتها، أضافت الدكتورة ديان سيميون، جرّاحة البنكرياس في جامعة كاليفورنيا في سان دييغو، أن هذه الأداة قد تكون أكثر فائدةً للأطباء المتدربين منها للمتخصصين ذوي الخبرة. وقالت إن بعض الأورام التي رصدتها الأداة في دراسة نُشرت في مجلة «نيتشر ميديسن» كان من المفترض أن تكون واضحة تماماً لمتخصصي الأشعة المدربين تدريباً جيداً حتى دون استخدام الذكاء الاصطناعي.

لكن سيميون أقرَّت بأنها قد تُشكّل دعماً قيّماً للمستشفيات التي تعاني من نقص في المتخصصين. وأضافت: «ستختلف المهارات المطلوبة من مركز لآخر، تبعاً لموقع المركز في العالم أو حجم الحالات السريرية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

كيف يمكنك طلب أحدث أجهزة «أبل» في السعودية؟ إليك المواعيد والأسعار وطرق الشراء

تكنولوجيا بحسب متجر «أبل» السعودي تبدأ الطلبات المسبقة على «iPhone 18 Pro» و«iPhone 18 Pro Max» عند الساعة الثالثة بعد ظهر 12 سبتمبر بالتوقيت المحلي (إ.ب.أ)

كيف يمكنك طلب أحدث أجهزة «أبل» في السعودية؟ إليك المواعيد والأسعار وطرق الشراء

تبدأ «أبل» خلال سبتمبر (أيلول) وأكتوبر (تشرين الأول) طرح أحدث أجهزتها في السوق السعودية، مع جدول زمني مختلف بين مختلف المنتجات.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تعيد «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعريف مراكز البيانات عبر التركيز على معدل إنتاج الرموز والأداء لكل واط والتكلفة لكل رمز (أدوبي)

خاص «إنفيديا» لـ«الشرق الأوسط»: «مصانع الذكاء الاصطناعي» تعيد تعريف اقتصاديات مراكز البيانات في السعودية

ترى «إنفيديا» أن نجاح السعودية في الذكاء الاصطناعي سيُقاس بالقيمة الناتجة من البنية التحتية وكفاءة الاستدلال والطاقة والتطبيقات الصناعية.

نسيم رمضان (الرياض)
تكنولوجيا يواصل قطاع الذكاء الاصطناعي توسعه بوتيرة سريعة ومقلقة (رويترز)

 باحث بارز يحذر: الذكاء الاصطناعي قد يقضي على البشر خلال عقد

حذّر باحث بارز في مجال سلامة الذكاء الاصطناعي من أن هناك احتمالاً يتجاوز 10 % لأن «يقتل الذكاء الاصطناعي جميع البشر» خلال العقد المقبل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد لوحة مفاتيح ويد آلية في رسم توضيحي (رويترز)

«بنك التسويات الدولية»: طفرة الذكاء الاصطناعي تشكل مخاطر جديدة على الاستقرار المالي

قال بابلو هيرنانديز دي كوس، رئيس بنك التسويات الدولية، إن الصعود السريع للذكاء الاصطناعي يشكل مخاطر جديدة على الاستقرار المالي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد شاشة بيانات مالية في غرفة التداول ببنك هانا في سيول (إ.ب.أ)

الأسهم الكورية تتراجع بأكثر من 1 % مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

تراجعت الأسهم الكورية بأكثر من 1 في المائة في تعاملات الخميس، مع تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة.

«الشرق الأوسط» (سيول)

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة
TT

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

السالمونيلا... عدوى قديمة تعود بفاشِيات جديدة

لم تختفِ السالمونيلا من المشهد الصحي العالمي؛ ففي عام 2026 وحده، تعقبت الجهات الصحية والرقابية في الولايات المتحدة وأوروبا فاشيات امتدت عبر دول وولايات عديدة، وارتبطت بمصادر مختلفة من البيض والدواجن إلى براعم البرسيم و«المورينغا» و«النودلز»، بل وحتى الحيوانات المنزلية.

وتكشف هذه الفاشيات أن عدوى السالمونيلا، رغم كونها معروفة منذ زمن طويل ورغم التقدم الكبير في أنظمة سلامة الغذاء، لا تزال قادرة على العودة إلى الواجهة من وقت إلى آخر. وتُعدّ «منظمة الصحة العالمية» السالمونيلا أحد أربعة أسباب عالمية رئيسية لأمراض الإسهال.

لكن؛ لماذا تستمر هذه البكتيريا في إحداث الفاشيات؟ وكيف تنتقل إلى الإنسان؟ وهل تقتصر على الدجاج والبيض كما يعتقد كثيرون؟ ومتى تتحول العدوى من اضطراب معوي عابر إلى مرض قد يستدعي دخول المستشفى؟

فاشيات عابرة للحدود

> أميركا: شهد عام 2026 عدداً من فاشيات السالمونيلا اللافتة؛ ففي الولايات المتحدة سجلت السلطات الصحية ثماني فاشيات مرتبطة بالدواجن المنزلية، ووصل عدد المصابين، وفق تحديث رسمي في يوليو (تموز) الماضي، إلى 814 شخصاً في 44 ولاية وإقليماً أميركياً، دخل منهم 201 المستشفى، وسُجلت وفاة واحدة. وكان نحو ربع المصابين من الأطفال دون الخامسة، وفقاً للمراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، في يوليو 2026.

كما شهدت الولايات المتحدة فاشية مرتبطة بالبيض أصابت أكثر من مائة شخص وأدت إلى سحب كميات كبيرة من الأسواق، إلى جانب فاشيات أخرى ارتبط بعضها بمنتجات من نبات المورينغا (البان الزيتي) وبراعم البرسيم.

> أوروبا: امتدت فاشية من نوع «Salmonella Bovismorbificans ST377» إلى 10 دول أوروبية إضافة إلى المملكة المتحدة، وسُجلت 109 إصابات و18 حالة دخول إلى المستشفى، مع تسجيل وفاة مؤكدة وأخرى محتملة في فنلندا. وقادت التحقيقات إلى براعم البرسيم، ثم إلى البذور المستخدمة في إنتاجها، وفقاً للمركز الأوروبي للوقاية من الأمراض ومكافحتها (ECDC)، يونيو (حزيران) 2026. ولم تكن هذه الفاشية الوحيدة؛ فقد شهدت أوروبا أيضاً فاشية من «Salmonella Stanley ST2045» ارتبطت بمنتجات «نودلز» منكّهة، وسُجلت 106 حالات مؤكدة في 13 دولة أوروبية، إضافة إلى المملكة المتحدة، مع دخول 49 مصاباً على الأقل إلى المستشفى.

وتقدم هذه الأحداث رسالة واضحة: السالمونيلا ليست مشكلة مرتبطة بنوع واحد من الغذاء، ولا تتوقف بالضرورة عند حدود دولة واحدة.

> السعودية: الوقاية تبدأ قبل وصول الغذاء إلى المستهلك. وتخضع السالمونيلا للترصد والتبليغ ضمن الأمراض المنقولة بالغذاء أو الماء، وفق تصنيف وزارة الصحة. وحتى إعداد هذا الموضوع، لم يُعلن رسمياً عن فاشية واسعة مماثلة لما شهدته دول أخرى خلال عام 2026.

وفي المقابل، تكشف البيانات المنشورة عن إجراءات رقابية تستهدف منع الأغذية الملوثة قبل وصولها إلى المستهلك؛ فقد أعلنت الهيئة العامة للغذاء والدواء في فبراير (شباط) 2026، أنها منعت خلال الربع الأخير من عام 2025، دخول نحو1671 طناً من المنتجات الغذائية الملوثة أو غير المطابقة، بعد أن كشفت التحاليل المخبرية عن تلوث منتجات بالليستيريا والسالمونيلا والإشريكية القولونية.

وفي تقرير لاحق عن أعمالها الرقابية خلال الربع الأول من 2026، أعلنت الهيئة تنفيذ 15230 زيارة تفتيشية، ومنع دخول 1057 طناً من المنتجات الغذائية غير المطابقة. وكان التلوث بميكروبات قد تؤدي إلى التسمم الغذائي، ومنها السالمونيلا والليستيريا والإشريكية القولونية، من بين أسباب المنع.

وتعكس هذه الإجراءات أهمية الرقابة والفحص المخبري ومنع المنتجات الملوثة قبل وصولها إلى الأسواق، إلى جانب متابعة سلامة الغذاء داخل المملكة، بوصفها خطوط دفاع وقائية تحدّ من وصول السالمونيلا، وغيرها من مسببات الأمراض المنقولة بالغذاء إلى المستهلك.

ما السالمونيلا؟

السالمونيلا جنس من البكتيريا يضم أنواعاً وسلالات متعددة. وعند الحديث عن الفاشيات الغذائية الشائعة، يكون المقصود غالباً السالمونيلا غير التيفية (Non-typhoidal Salmonella)، وهي تختلف عن السلالات المسببة لحمى التيفوئيد والباراتيفوئيد. وتوجد هذه البكتيريا على نطاق واسع في الحيوانات، ويمكن أن تحملها الدواجن والأبقار والخنازير والطيور، وكذلك بعض الحيوانات الأليفة والزواحف. والمشكلة أن الحيوان قد يحمل السالمونيلا من دون أن يبدو مريضاً.

وتحدث العدوى لدى الإنسان غالباً بعد تناول طعام ملوث بالبكتيريا، إلا أن انتقالها قد يحدث أيضاً عن طريق ملامسة الحيوانات أو بيئتها، أو من شخص إلى آخر عبر الطريق البرازي الفموي عند عدم الالتزام الجيد بنظافة اليدين.

• عدوى ليست مقصورة على الدجاج والبيض فقط:: يرتبط اسم السالمونيلا في أذهان كثيرين بالدجاج النيئ أو البيض، وهما بالفعل من المصادر المعروفة للعدوى، لكن القائمة أطول من ذلك؛ فاللحوم والحليب ومنتجاته غير المبسترة وبعض الخضراوات والفواكه قد تتلوث بالبكتيريا، كما أن البراعم النباتية تستحق اهتماماً خاصاً؛ إذ توفر البيئة الدافئة والرطبة اللازمة لإنبات البذور ظروفاً يمكن أن تساعد أيضاً في تكاثر البكتيريا.

وهناك طريق آخر قد لا يخطر على البال: الحيوانات المنزلية؛ فالدجاج والبط والسلاحف والسحالي وغيرها من الحيوانات قد تحمل السالمونيلا من دون علامات ظاهرة، ثم تنتقل البكتيريا إلى الإنسان عبر اليدين أو الأسطح والأشياء الموجودة في بيئة الحيوان.

> متى تصبح العدوى شديدة؟: تظهر أعراض السالمونيلا عادة خلال ساعات إلى بضعة أيام من التعرض للبكتيريا، وأكثرها شيوعاً الإسهال والحمى وتقلصات أو آلام البطن، وقد يصاحبها الغثيان والقيء والصداع وفقدان الشهية. وتكون غالبية الإصابات محدودة ذاتياً، ويتعافى كثير من المرضى خلال عدة أيام من دون علاج نوعي. لكن العدوى قد تصبح أكثر خطورة إذا أدى الإسهال والقيء إلى الجفاف، أو إذا انتقلت البكتيريا من الأمعاء إلى مجرى الدم أو أعضاء أخرى. وقد تسبب في هذه الحالات مضاعفات خطيرة؛ مثل تجرثم الدم أو التهاب السحايا أو إصابات العظام والمفاصل. وقد يصاب بعض المرضى بعد انتهاء العدوى بما يعرف بـالتهاب المفاصل التفاعلي (Reactive Arthritis)، الذي يسبب آلاماً في المفاصل، وقد يستمر لدى بعض الأشخاص أشهراً أو سنوات.

> من الأكثر عرضة للمضاعفات؟: يمكن لأي شخص أن يصاب بالسالمونيلا، لكن احتمالات المرض الشديد ليست متساوية بين الجميع.

ويأتي الأطفال الصغار، لا سيما دون الخامسة، وكبار السن، والأشخاص ذوو المناعة الضعيفة ضمن الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات. ولذلك تكتسب الوقاية أهمية أكبر في المنازل التي تضم أحد هؤلاء.

> هل يحتاج المصاب إلى مضاد حيوي؟: ليس بالضرورة؛ فمعظم حالات السالمونيلا غير المعقدة تتحسن من دون مضادات حيوية، ويتركز العلاج أساساً على تعويض السوائل والشوارد الكهربائية ومنع الجفاف.

ولا توصَى المضادات الحيوية بصورة روتينية للحالات الخفيفة أو المتوسطة لدى الأشخاص الأصحاء؛ إذ لا يحتاج معظم المصابين إليها، كما أن استخدامها عندما لا تكون هناك حاجة إليها يمكن أن يسهم في مشكلة مقاومة المضادات الحيوية. لكن الطبيب قد يلجأ إليها في الحالات الشديدة، أو عند انتشار العدوى خارج الأمعاء، أو لدى بعض المرضى الأكثر عرضة للإصابة بالمرض الغازي. ومن هنا فإن الإصابة بالإسهال بعد تناول طعام مشتبه فيه لا تعني أن يبدأ المريض مضاداً حيوياً من تلقاء نفسه.

وقد يستمر طرح السالمونيلا في البراز بعد زوال الأعراض؛ لذلك تظل العناية بنظافة اليدين مهمة حتى بعد التعافي، ويوصي «CDC» بمزيد من الحرص على النظافة لمدة أسبوعين على الأقل بعد انتهاء الإسهال.

تظل العناية بنظافة اليدين مهمة حتى بعد التعافي من أعراض السالمونيلا

الاستشارة الطبية والوقاية

> متى نحتاج إلى الطبيب؟: ينبغي طلب المشورة الطبية عندما تكون الأعراض شديدة أو مستمرة، خصوصاً إذا استمر الإسهال أو القيء أكثر من يومين، أو ظهر دم في البراز، أو ارتفعت الحرارة بصورة ملحوظة، أو ظهرت علامات الجفاف.

ومن العلامات التي تستدعي الانتباه: قلة التبول، والبول الداكن، والعطش الشديد، وجفاف الفم أو الحلق، والدوخة. ويحتاج الأطفال الصغار وكبار السن وذوو المناعة الضعيفة إلى قدر أكبر من الحذر؛ لأن حالتهم قد تتدهور بصورة أسرع.

> الوقاية تبدأ من المطبخ: يمكن الوقاية من نسبة كبيرة من العدوى عبر ممارسات بسيطة في التعامل مع الغذاء. ووفقاً للإرشادات الأميركية لسلامة الغذاء، يمكن تلخيص المبادئ الأساسية في 4 قواعد: نظّف، وافصل، واطهِ، وبرّد.

- نظّف (Clean): اغسل اليدين جيداً بالماء والصابون قبل إعداد الطعام وبعد التعامل مع اللحوم والدواجن النيئة، ونظّف الأسطح والأدوات وألواح التقطيع. ومن الأخطاء الشائعة غسل الدجاج النيئ قبل طهيه؛ إذ قد يؤدي تناثر الماء إلى نشر البكتيريا في الحوض والأسطح والأطعمة المجاورة.

- افصل (Separate): افصل اللحوم والدواجن النيئة عن الأطعمة الجاهزة للأكل، ولا تستخدم لوح التقطيع أو السكين نفسيهما للخضراوات بعد ملامستهما للدجاج النيئ من دون تنظيف مناسب.

- اطهِ (Cook): اطهِ الدواجن جيداً حتى تصل حرارتها الداخلية إلى نحو 74 درجة مئوية، واطهِ البيض جيداً، مع مزيد من الحذر تجاه الأطعمة التي تحتوي على البيض النيئ أو غير مكتمل النضج، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة للمضاعفات.

- برّد (Chill): لا تترك الأطعمة القابلة للتلف وبقايا الطعام في درجة حرارة الغرفة أكثر من ساعتين، وتنخفض المدة إلى ساعة واحدة إذا تعرض الطعام لحرارة تتجاوز نحو 32 درجة مئوية؛ وهي قاعدة تكتسب أهمية خاصة في الأجواء الحارة والرحلات والتجمعات.

- التعامل مع الحيوانات. القاعدة التي ينبغي تذكرها بسيطة: الحيوان لا يحتاج إلى أن يبدو مريضاً حتى ينقل السالمونيلا.

ومن المهم غسل اليدين بالماء والصابون بعد لمس الدواجن المنزلية أو بيضها أو الأدوات الموجودة في محيطها، وعدم تقريب الكتاكيت والبط من الوجه أو تقبيلها.

ويحتاج الأطفال الصغار إلى حماية أكبر عند التعامل مع الدواجن المنزلية. وينطبق الحذر كذلك على الزواحف والبرمائيات، التي قد تحمل السالمونيلا وهي تبدو سليمة تماماً. وتؤكد فاشيات الدواجن المنزلية التي سجلها «CDC» خلال 2026، أهمية هذه الرسالة، لا سيما أن ربع المصابين فيها تقريباً كانوا دون الخامسة.

- خط الدفاع الأخير: سلوكنا اليومي. تكشف فاشيات 2026 أن السالمونيلا لم تصبح مرضاً من الماضي، وأن أنظمة إنتاج الغذاء وتوزيعه عالمياً يمكن أن تجعل منتجاً ملوثاً واحداً يتجاوز حدود مدينة أو دولة خلال فترة قصيرة.

وفي المقابل، تكشف وسائل الوقاية أن كثيراً من خطوط الدفاع ضد العدوى يبدأ بسلوكيات يومية بسيطة.

وتوفر الرقابة الصحية وسلامة الغذاء خطوط الدفاع الأولى على مستوى المجتمع، لكن خط الدفاع الأخير يبقى في المنزل وبين يدي المستهلك؛ فسلامة الطعام لا تتوقف عند وصوله إلى الأسواق، وإنما تستمر حتى لحظة إعداده وتقديمه على المائدة.

* استشاري طب المجتمع


علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»
TT

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

علاجات متنوعة للمراهقين المصابين بـ«السلوك التخريبي»

أظهرت دراسة حديثة لباحثين من قسم علم النفس بجامعة كونكورديا Concordia University في كندا، ونُشرت في مجلة علم النفس the journal BMC Psychology في نهاية شهر يونيو (حزيران) من العام الحالي، أن المراهقين الذين يعانون سلوكيات مضطربة وسمات تتميز بالقسوة يحتاجون إلى مجموعة متنوعة من الطرق العلاجية، تشمل تقويم السلوك والدعم النفسي والقضاء على الأسباب الرئيسية لها.

خلل سلوكي

من المعروف أن الأطفال والمراهقين الذين يعانون خللاً سلوكياً، في الأغلب يتسببون في حدوث مصاعب كثيرة لهم وللأسر التي ينتمون إليها، وتكمن المشكلة الحقيقية في عدّ المشاكل التي تتعلق بالخلل السلوكي، مثل ممارسة العدوانية والتحدي وخرق القواعد بشكل خطير، مجرد مشاكل سلوكية فقط، ولكن في حقيقة الأمر هذه السلوكيات لها أسباب متعددة تحتاج إلى مجموعة من العلاجات.

وقد استشار الباحثون 86 خبيراً من مختلف المجالات للوقوف على أولويات العلاج، بحيث شملت قائمة الخبراء آباء وأطباء وباحثين اجتماعيين، وكانوا جميعاً في منتصف العمر تقريباً؛ لضمان مواكبة طرق التعامل مع المراهقين والأطفال.

وتناولت آراء الخبراء ومقترحات العلاج جميع جوانب مشاكل اضطرابات السلوك، فيما يتعلق بالدوافع الرئيسية والأسباب النفسية والعاطفية التي يمكن أن تؤثر على سلامة الإدراك، وتم أيضاً مناقشة أولويات العلاج لكل مرحلة عمرية.

أُجريت التقييمات بشكل منفصل للأطفال (من عمر الثالثة إلى عمر الثانية عشرة)، والمراهقين (من عمر 13 إلى 18 عاماً)، حيث ناقش الخبراء البيئة المحيطة بالأطفال والمراهقين بالتفصيل، وركّزوا بشكل خاص على البيئة الأساسية للطفل، وهي الجوانب الأسرية مثل طريقة المعاملة في المنزل، سواء من الآباء أو من الإخوة، وهل يتمتع المراهق والطفل بالدعم النفسي من أفراد أسرته من عدمه.

وتمت أيضاً مناقشة العوامل الداخلية والخارجية التي يمكن أن تدفع الطفل إلى ممارسة السلوكيات التخريبية، وشملت العوامل الداخلية المزاج العام للطفل وصحته النفسية وطبيعة تصرفاته، وهل تتسم بالتخريب في كل وقت وكل مكان، بمعنى: هل يمارس الطفل أو المراهق هذه السلوكيات في المدرسة فقط أو النادي فقط أو مع الأقران في الجوار فقط، أم يمارسها بشكل عام في كل المجتمعات التي يتردد عليها؟

اهتم الخبراء أيضاً بمعرفة تأثير عامل العمر والتغيرات النفسية والهرمونية على الأطفال؛ لأن هذه التغيرات يمكن أن تكون السبب الأساسي في هذه التصرفات. وعلى سبيل المثال، هناك بعض الأطفال لا يمارسون هذه التصرفات التخريبية إلا في مرحلة المراهقة فقط، في حين هناك البعض الآخر يبدأ في ممارسة هذا التصرفات عند بداية دخول المدرسة؛ لذلك من المهم وضع المرحلة العمرية في الحسبان عند تقييم الحالة والبحث عن علاج مناسب لكل مرحلة عمرية.

وناقش الخبراء أيضاً، اختلاف السلوكيات التخريبية بين الذكور والإناث، سواء قبل البلوغ أو بعده، من حيث اختلاف شكل السلوكيات التخريبية وممارسة العدوانية ومدى شدة الإيذاء والاستجابة للتدخلات العلاجية من عدمه.

أهداف علاجية

حدَّد الخبراء 26 هدفاً علاجياً لهم أولوية عالية بالنسبة للأطفال و30 هدفاً للمراهقين، حيث تركزت أهم الأولويات العلاجية بالنسبة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 و12 عاماً، على البيئة المنزلية بشكل أساسي. لأنها البيئة الأكثر تأثيراً في سلوك الطفل سلباً وإيجاباً في هذه المرحلة العمرية، وتُعدّ المحرك الرئيسي للأفعال التخريبية وممارسة العدوانية تجاه الآخرين.

شملت العوامل التي يجب تعديلها في البيئة المنزلية، المعاملة السيئة للطفل من قِبل الوالدين واستخدام العنف في التعامل معه، سواء العنف الجسدي أو العنف اللفظي، إهمال الطفل وعدم الاهتمام به وعدم التفاعل مع المشكلات التي يقابلها وإرشاده إلى الطريقة السليمة لحلها، ضعف المشاركة بين الوالدين والتنصل من رعاية الطفل من أحد الطرفين، والمعتقدات السلبية المسبقة للوالدين تجاه الطفل وتوقعهم لحدوث أفعال سيئة باستمرار.

على الرغم من أن عامل التمتع بالمهارات العاطفية للطفل مثل التعاطف مع الآخرين والقدرة على تنظيم المشاعر، لم يكن بالقدر نفسه من الأهمية مثل البيئة المنزلية في هذه المرحلة العمرية، فإنه لعب دوراً كبيراً أيضاً في حدوث السلوكيات التخريبية، وقال الخبراء إن تعديل هذا العامل بالإيجاب يمكن أن يساعد في العلاج لأن تنمية التعاطف مع الآخر والتفاعل مع حزنه تمنع بالضرورة وجود أي سلوكيات تؤدي إلى إيذاء الآخرين.

في المقابل، لعبت العوامل المدرسية والبيئة المحيطة بالأطفال، دوراً أقل أهمية من المنزل والمهارات العاطفية في هذه الفئة العمرية. فبالنسبة للمراهقين، على الرغم من أن العوامل الأسرية والتربوية ظلت مهمة، لكن قائمة أولويات العلاج والتعديل اتسعت، حيث قام الخبراء بتحديد أهداف تتعلق بضرورة التركيز على تعديل العوامل العاطفية بشكل أساسي، بما في ذلك صعوبات التعاطف وعدم القدرة على تنظيم المشاعر، والغضب العارم وممارسة العدوانية بمختلف الأشكال سواء على الآخرين أو على الممتلكات، والرغبة في فرض السيطرة على الأقران.

أوصت لجنة الخبراء بضرورة إعطاء الأولوية لزيادة الوعي بين الأطفال والمراهقين، مثل تصحيح القيم المنحرفة والمفاهيم الخاطئة التي تمجّد العنف والعدوانية. وأكدت اللجنة على ضرورة تكاتف الجميع سواء أطباء أو آباء للقضاء على هذه المشكلة التي تهدد المجتمع، والتعامل مع السلوكيات التخريبية بالقدر الكافي من الاهتمام وعدم الاستهانة بها حتى في الفئات العمرية الصغيرة.

* استشاري طب الأطفال


متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر
TT

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

متلازمة إهلرز ــ دانلوس... قصة مَرضية غير مرئية تحت المجهر

في ظل تزايد الاهتمام عالمياً بالحالات غير المشخصة، وارتفاع معدلات الشكوى من الألم المزمن غير المفسر، يتنامى تساؤل جوهري في الأوساط الطبية: كم من هذه الحالات قد يكون مرتبطاً باضطرابات كامنة في النسيج الضام لم يتم التعرف عليها بعد؟

ومع التقدم في فهم اضطرابات النسيج الضام وتأثيراتها متعددة الأجهزة، برزت الحاجة إلى إعادة تسليط الضوء على الأنماط الأكثر شيوعاً والأقل تشخيصاً. وفي هذا السياق، يتقاطع هذا الطرح مع ما يُعرف في الأدبيات الطبية بـ«رحلة التشخيص الضائع Diagnostic Odyssey»، التي يمر بها المرضى قبل الوصول إلى تفسير دقيق لأعراضهم.

ومن بين أبرز النماذج التي تجسّد هذه الفجوة بين الانتشار الحقيقي والتشخيص السريري، تبرز متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة Hypermobile Ehlers–Danlos Syndrome (hEDS)، حالةً قد تبدو شائعة في ممارسات الطب اليومي، لكنها لا تزال غير مرئية بالشكل الكافي في الوعي الطبي والتشخيصي.

اضطراب في النسيج الضام

تُصنَّف متلازمة إهلرز– دانلوس (EDS) ضمن اضطرابات النسيج الضام (Connective Tissue)، وهو النسيج الذي يمنح الجسم تماسكه ومرونته، ويشمل الجلد والأربطة والأوتار وجدران الأوعية الدموية. ويكمن الخلل في هذه المتلازمة في بنية أو وظيفة الكولاجين، وهو البروتين الأساسي المسؤول عن قوة الأنسجة ومرونتها.

وفي النمط مفرط الحركة من هذه المتلازمة (hEDS)، لا يكون الخلل مرتبطاً بطفرة جينية محددة يمكن رصدها مخبرياً كما في الأنماط الأخرى؛ وهو ما يجعل هذا النوع تحديداً أكثر تعقيداً من حيث التشخيص، رغم إدراجه ضمن التصنيفات الحديثة لاضطرابات النسيج الضام (Malfait et al., 2017).

• أنماط المتلازمة. لا تقتصر متلازمة إهلرز– دانلوس (EDS) على نمط واحد، بل تضم مجموعة من الأنماط السريرية التي تختلف في شدتها وخصائصها الجينية والعضوية. ووفق التصنيف الدولي الحديث، تُقسَّم المتلازمة إلى 13 نمطاً رئيسياً، من أبرزها:

- النمط الكلاسيكي (Classical EDS – cEDS)، ويتميّز بفرط مرونة الجلد مع قابلية عالية للتمدد، ووجود ندبات مميزة وضعف في التئام الجروح.

- النمط الوعائي (Vascular EDS – vEDS)، وهو الأكثر خطورة نظراً لارتباطه بهشاشة الأوعية الدموية واحتمالية حدوث تمزقات مفاجئة في الشرايين أو الأعضاء الداخلية.

- النمط المرتبط بالحداب (Kyphoscoliotic EDS – kEDS)، ويظهر عادة منذ الطفولة بانحناء العمود الفقري (حداب وجنف) مع ضعف في العضلات والمفاصل.

- النمط مفرط الحركة (Hypermobile EDS – hEDS)، الذي يُعدّ الأكثر شيوعاً والأقل تشخيصاً، ويتميّز بفرط حركة المفاصل وآلام مزمنة دون وجود اختبار جيني محدد.

وتتميّز معظم هذه الأنماط بإمكانية تحديد الطفرة الجينية المسببة لها؛ ما يسهم في تسهيل التشخيص، باستثناء النمط مفرط الحركة، الذي لا يزال يفتقر إلى اختبار جيني محدد، ويعتمد تشخيصه بشكل أساسي على المعايير السريرية. ويعكس هذا التنوع في الأنماط اختلافاً واسعاً في المظاهر السريرية، يتراوح بين أعراض خفيفة تقتصر على المفاصل والجلد، وحالات أكثر تعقيداً قد تشمل مضاعفات جهازية خطيرة؛ ما يستدعي تقييماً دقيقاً لكل حالة على حدة.

ومن بين هذه الأنماط المتعددة، يبرز النمط مفرط الحركة بوصفه الأكثر شيوعاً، والأكثر إثارة للتساؤلات، ويستدعي اهتماماً خاصاً؛ نظراً لانتشاره الواسع مقابل محدودية أدوات تشخيصه. وسوف نسلط الضوء عليه في هذا المقال.

• متلازمة إهلرز– دانلوس «مفرطة الحركة». تشير الأدبيات العلمية ومنها (Castori et al., 2017) إلى أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة تمثل ما يقارب 80 إلى 90 في المائة من جميع حالات المتلازمة، غير أن نسبة كبيرة من المصابين بها لا يتم تشخيصهم، أو يتم إدراجهم تحت تشخيصات أخرى مثل الألم العضلي الليفي أو متلازمة التعب المزمن.

وتعكس هذه الفجوة واقعاً سريرياً معقداً، حيث تتداخل الأعراض، وتتفاوت شدتها، وتغيب المؤشرات المخبرية الحاسمة؛ ما يجعل التشخيص يعتمد على التقييم السريري الدقيق والمعايير الإكلينيكية.

الأعراض والتشخيص

> أعراض المتلازمة. غالباً ما تبدأ القصة بمرونة لافتة في المفاصل خلال الطفولة أو المراهقة، وهي سمة قد تُفسَّر في البداية على أنها طبيعية أو حتى إيجابية. إلا أن هذه المرونة قد تتحول مع مرور الوقت مصدراً للمعاناة، حيث يعاني الطفل المصاب:

- فرط حركة المفاصل وعدم استقرارها

- خلعاً أو شبه خلع متكرراً

- آلاماً مزمنة في المفاصل والعضلات

- إرهاقاً شديداً ومستمراً

ولا تقتصر الأعراض على الجهاز الحركي، بل تمتد لتشمل اضطرابات متعددة، منها:

- مشاكل الجهاز الهضمي مثل القولون العصبي

- اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي، مثل متلازمة تسارع القلب الوضعي (POTS)

- صداع مزمن واضطرابات النوم

- أعراض نفسية مثل القلق والاكتئاب

وقد أظهرت دراسات منها (Tinkle et al., 2017) أن هذا الطيف الواسع من الأعراض يعكس طبيعة شاملة للاضطراب، تتجاوز كونه مشكلة موضعية في المفاصل.

• التشخيص. كيف يتم تشخيص هذا النمط من المتلازمة؟ بعكس بعض الأنماط الأخرى من متلازمة إهلرز– دانلوس، لا يتوفر حتى الآن اختبار جيني محدد لتشخيص النمط مفرط الحركة؛ وهو ما يجعل التشخيص يعتمد على معايير سريرية تم اعتمادها حديثاً في عام 2017.

وتشمل هذه المعايير:

- تقييم فرط الحركة باستخدام مقياس Beighton

- وجود أعراض داعمة متعددة

- استبعاد اضطرابات أخرى مشابهة

ويستلزم ذلك مستوى عالياً من الوعي الطبي والخبرة السريرية، وهو ما قد لا يتوفر دائماً؛ ما يؤدي إلى تأخر التشخيص لسنوات.

• تبعات المتلازمة... المآل المرضي. على الرغم من أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة لا تُعدّ من الحالات المهددة للحياة في معظم الأحيان، فإن تأثيرها على جودة الحياة قد يكون عميقاً ومتعدد الأبعاد. فالألم المزمن، الذي يتراوح بين الخفيف والمعيق، والإرهاق المستمر غير المتناسب مع الجهد المبذول، إلى جانب عدم استقرار المفاصل، تجعل الأنشطة اليومية البسيطة - مثل المشي، أو الجلوس لفترات طويلة، أو حتى أداء المهام الوظيفية - تحدياً مستمراً لكثير من المرضى.

ولا يقتصر التأثير على الجانب الجسدي، بل يمتد ليشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية، حيث يرتبط المرض بزيادة معدلات القلق والاكتئاب؛ نتيجة التعايش مع أعراض غير مرئية في كثير من الأحيان، وما يرافقها من سوء فهم أو تقليل من قبل المحيطين. كما قد يؤدي تذبذب الأعراض إلى صعوبة في الحفاظ على نمط حياة مستقر، سواء على المستوى المهني أو الدراسي.

ومن الناحية الوظيفية، تشير الملاحظات السريرية في الدراسات التي أجريت ومنها (Hakim et al., 2021) إلى أن نسبة من المرضى قد تعاني تراجعاً في القدرة على العمل أو الحاجة إلى تعديلات وظيفية خاصة، نتيجة الألم المزمن أو الإرهاق أو اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي، مثل متلازمة تسارع القلب الوضعي (POTS)، التي تسهم في زيادة الشعور بالدوخة وعدم التحمل الوقوفي.

ويُعدّ ما يُعرف بـ«رحلة التشخيص الضائع» من أبرز التحديات التي يواجهها المصابون، حيث قد يستغرق الوصول إلى التشخيص الصحيح سنوات طويلة، مع تعدد الزيارات الطبية واختلاف التفسيرات؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على ثقة المريض بالنظام الصحي، ويؤخر بدء التدخلات المناسبة.

ورغم هذه التحديات، فإن المآل المرضي (Prognosis) في معظم الحالات يمكن تحسينه بشكل ملحوظ عند التشخيص المبكر واتباع خطة علاجية متعددة التخصصات، ترتكز على التأهيل الحركي، وإدارة الألم، والتعامل مع الحالات المصاحبة. ويؤكد ذلك أن العبء الحقيقي للمتلازمة لا يكمن في خطورتها الحيوية، بقدر ما يتمثل في أثرها التراكمي على جودة الحياة، وهو أثر يمكن التخفيف منه بقدر كافٍ من الوعي والتشخيص الدقيق والتدخل المبكر.

« رحلة التشخيص الضائع» من أبرز التحديات التي يواجهها المصابون... مع تعدد الزيارات الطبية واختلاف التفسيرات

إدارة الحالة

حتى اليوم، لا يوجد علاج شافٍ لمتلازمة hEDS، غير أن التدخل المبكر يمكن أن يُحدث فرقاً ملموساً في مسار المرض. ويُعد العلاج الطبيعي حجر الأساس في التعامل مع الحالة، حيث يركز على:

- تقوية العضلات المحيطة بالمفاصل

- تحسين الاستقرار الحركي

- تقليل خطر الإصابات

كما تشمل الخطة العلاجية:

- إدارة الألم بوسائل دوائية وغير دوائية: تعتمد على مزيج من المسكنات البسيطة عند الحاجة، إلى جانب تقنيات غير دوائية مثل العلاج الحراري، وتمارين التمدد، والعلاج السلوكي؛ بهدف تقليل شدة الألم وتحسين القدرة الوظيفية دون الاعتماد المفرط على الأدوية.

- تعديل نمط الحياة: يشمل تجنب الأنشطة التي تزيد من إجهاد المفاصل أو خطر الخلع، وتنظيم فترات الراحة والنشاط، مع تبني عادات يومية داعمة مثل النوم الكافي واستخدام وسائل مساعدة عند الحاجة، بما يسهم في تقليل الأعراض وتحسين الاستقرار الحركي.

- علاج الحالات المصاحبة: يتطلب التعرف على الاضطرابات المرتبطة، مثل اضطرابات الجهاز العصبي الذاتي كـ(POTS) أو مشاكل الجهاز الهضمي أو المشاكل النفسية، والعمل على علاجها بشكل متكامل؛ لما لها من دور كبير في شدة الأعراض وتأثيرها على جودة الحياة.

ويؤكد المختصون على أهمية تبني نهج متعدد التخصصات لضمان أفضل النتائج.

وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن رعاية مرضى متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة تمثل مسؤولية مشتركة، تبدأ بالوعي ولا تنتهي عند التشخيص. وتبرز هذه المتلازمة كنموذج لحالة طبية شائعة، لكنها لا تزال غير مشخصة بالشكل الكافي في الممارسة السريرية.

وبين التقدم العلمي والتحديات الواقعية، تبقى الحاجة ملحّة إلى رفع مستوى الوعي، وتقليص فجوة التشخيص، وتعزيز الفهم الطبي لهذا الاضطراب. فليست كل مرونة دليل صحة، ولا كل ألم بلا تفسير... بل قد يكون وراءه اضطراب يحتاج إلى أن يُرى، ويُفهم، ويُتعامل معه بوعي علمي دقيق.

* استشاري طب المجتمع