أعاد توقيف الصحافي الياباني يوكي إيماي في روسيا، الثلاثاء، فتح ملف العلاقة بين الصحافة والاستخبارات والمساومات الدولية. وتكشف السوابق التاريخية عن اتهامات مفبركة بحق صحافيين استُخدموا أوراق ضغط بين الدول، وعن حالات ثبت فيها تعاون أشخاص عملوا في الإعلام مع أجهزة استخبارات.
واعتُقل إيماي، مراسل صحيفة «هوكايدو شيمبون»، في سخالين، واتهمته السلطات الروسية بالتجسس، بحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية. ولا تثبت المعلومات المتاحة حتى الآن ارتباط احتجازه بصفقة تبادل أو مساومة سياسية. غير أن توقيفه يعيد إلى الواجهة تاريخاً من القضايا التي جمعت اتهامات التجسس ومفاوضات الإفراج عن المحتجزين.
غيرشكوفيتش: من السجن إلى صفقة تبادل
تُقدّم قضية الأميركي إيفان غيرشكوفيتش نموذجاً واضحاً لانتقال ملف صحافي إلى طاولة التفاوض. وأُوقف مراسل صحيفة «وول ستريت جورنال» في روسيا في مارس (آذار) 2023، واتُّهم بالتجسس لصالح «وكالة الاستخبارات المركزية» الأميركية (سي آي إيه) لجمع معلومات عن شركة أسلحة روسية، وهو اتهام نفاه الصحافي وصحيفته والحكومة الأميركية. وفي يوليو (تموز) 2024، صدر بحقه حكم بالسجن 16 عاماً.
وبحسب إذاعة «أوروبا الحرة/راديو ليبرتي»، أُطلق سراح غيرشكوفيتش في الأول من أغسطس (آب) 2024، ضمن مبادلة شملت أيضاً صحافيتها الروسية - الأميركية ألسو كورماشيفا، التي كانت قد حُكم عليها بالسجن ست سنوات ونصف السنة بتهمة نشر «معلومات كاذبة» عن الجيش الروسي.
وكان بين العائدين إلى روسيا فاديم كراسيكوف، الذي وصفته السلطات التركية بأنه عقيد في جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وكان يقضي حكماً بالسجن المؤبد في ألمانيا لإدانته بقتل القائد الشيشاني السابق زليمخان خانغوشفيلي في برلين عام 2019.
أظهرت المبادلة كيف يمكن أن يدخل مصير صحافي محتجز في مفاوضات تشمل أشخاصاً مدانين بجرائم مختلفة، وتضع الحكومات أمام خيارات صعبة لاستعادة مواطنيها.
غونزاليس: من الاحتجاز في بولندا إلى الاستقبال في روسيا
في الصفقة نفسها، عاد إلى روسيا بابلو غونزاليس، المعروف أيضاً باسم بافيل روبتسوف، بعدما احتجزته بولندا في فبراير (شباط) 2022 للاشتباه في تجسسه لحساب موسكو. وكان يعمل صحافياً لوسائل إعلام إسبانية، بينها صحيفة «بوبليكو» وقناة «لا سيكستا».
وتناولت «الغارديان» قضيته في تحقيق بحث الشبهات المحيطة بعلاقاته بالاستخبارات العسكرية الروسية، واستقبال الرئيس فلاديمير بوتين له عند عودته. لكن هذه القرائن لا تقوم مقام حكم قضائي، وغونزاليس ينفي اتهامات التجسس.

باوكن: العمل لحساب الحكومة الصينية
حُكم على الأميركي توماس باوكن الثاني بالسجن سنتين في الأول من سبتمبر (أيلول) 2026، بعد إقراره بالعمل داخل الولايات المتحدة وكيلاً للحكومة الصينية دون الإخطار المطلوب للسلطات الأميركية، وفق وزارة العدل. وكان باوكن قد عمل صحافياً لدى وسائل إعلام حكومية صينية، بينها تلفزيون الصين المركزي «سي سي تي في» ووكالة «شينخوا»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».
وبحسب وثائق القضية التي عرضتها الوزارة، شملت مهامه لقاء مصادر محتملة، وتزويدها بأجهزة اتصال، وإبلاغها بالمعلومات المطلوبة، ونقل تقاريرها إلى امرأة عُرفت باسم «كاثي». وتلقّى مقابل عمله معها 100 ألف دولار على الأقل.
وقال «مكتب التحقيقات الفيدرالي» (إف بي آي) إن باوكن أقرّ بالعمل بتوجيه وزارة أمن الدولة الصينية لتحديد أشخاص يُحتمل تجنيدهم.
وقال محاميه لوكالة «أسوشييتد برس» إن باوكن لم يزوّد الصين بمعلومات مصنّفة سرية، وإن الادعاء وافق على ذلك أمام المحكمة.
صفقة أميركية إيرانية تنهي احتجاز رضائيان
وفي إيران، يقدّم جيسون رضائيان، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، مثالاً آخر على ارتباط مصير الصحافي بالتفاوض بين الدول. فقد اعتُقل في يوليو (تموز) 2014، وواجه اتهامات شملت التجسس والتعاون مع حكومات معادية، وخضع لمحاكمة مغلقة.
ونقلت «لجنة حماية الصحافيين»، وهي منظمة مستقلة تدافع عن حرية الصحافة ومقرها نيويورك، عن محاميته أن ملف القضية لم يتضمن أدلة تبرر الاتهامات. وأُفرج عنه في يناير (كانون الثاني) 2016 ضمن اتفاق لتبادل السجناء بين واشنطن وطهران.

أوتيس: اعتراف بالإكراه وضغوط للإفراج عنه
وشهدت الحرب الباردة قضايا بارزة لتوقيف صحافيين بتهم التجسس، في سياق المواجهة بين واشنطن وموسكو وحلفائهما. ففي تشيكوسلوفاكيا، اعتُقل ويليام أوتيس، رئيس مكتب وكالة «أسوشييتد برس» في براغ، في أبريل (نيسان) 1951، وحُكم عليه بالسجن عشر سنوات.
وبحسب تقرير نشرته الوكالة عام 2012، تعرّض أوتيس للعزل والحرمان من النوم والطعام لإجباره على الاعتراف، فيما كانت شهادات المحاكمة ونتيجتها معدّة سلفاً.
وأثار اعتقاله أزمة مع واشنطن، التي فرضت قيوداً تجارية وعلى السفر ضد تشيكوسلوفاكيا. وبعد ضغوط دبلوماسية واقتصادية، صدر عفو عنه في مايو (أيار) 1953، فعاد إلى الولايات المتحدة واستأنف عمله لدى الوكالة في تغطية الأمم المتحدة.
دانيلوف: اتهام بالتجسس وتسوية بين واشنطن وموسكو
وفي موسكو، اعتقلت السلطات السوفياتية نيكولاس دانيلوف، مراسل مجلة «يو إس نيوز آند وورلد ريبورت»، في 30 أغسطس (آب) 1986، واتهمته بالتجسس. وبحسب برقية للسفارة الأميركية منشورة ضمن وثائق وزارة الخارجية، كان أحد معارفه السوفيات قد سلّمه حزمة قال إنها تحتوي على قصاصات صحافية. وبعد افتراقهما، أوقفه رجال أمن وفتحوا الحزمة، فعثروا فيها على خريطتين تحملان تصنيف «سري»، وفق الرواية التي نقلتها البرقية عن دانيلوف. واعتبرت واشنطن توقيفه رداً على اعتقال غينادي زاخاروف، الموظف السوفياتي لدى الأمم المتحدة، بتهمة التجسس في نيويورك قبل أسبوع.
وبعد أسابيع من المفاوضات، سُمح لدانيلوف بمغادرة الاتحاد السوفياتي من دون محاكمة، ضمن تسوية شملت عودة زاخاروف إلى بلاده والإفراج عن المعارض السوفياتي يوري أورلوف، الذي انتقل إلى الولايات المتحدة، وفق وكالة «رويترز».

الاستخبارات تحت غطاء الصحافة
جمع البريطاني كيم فيلبي بين العمل الصحافي والنشاط الاستخباري؛ إذ عمل في جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني «إم آي 6»، ونقل معلومات إلى الاتحاد السوفياتي. وخلال إقامته في بيروت، عمل مراسلاً لـ«الأوبزرفر» و«الإيكونوميست» البريطانيتين. وبحسب الأرشيف الوطني البريطاني، توثّق ملفاته مواجهته بأدلة عمالته في يناير (كانون الثاني) 1963، وتقديمه اعترافاً جزئياً، قبل فراره إلى موسكو في العام نفسه.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 1968، نشرت صحيفة «إزفيستيا» السوفياتية وثائق قالت إنها تكشف عن صلات صحافيين ومحررين بريطانيين بجهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني «إم آي 6»، وهي اتهامات قوبلت بالنفي آنذاك.
وبعد عقود، أعاد تحقيق أعدّه الكاتب جيريمي دانز لـ«بي بي سي»، ونُشر عام 2013، فحص تلك الوثائق، ونقل عن مؤرخين وصحافيين سابقين تأكيدهم صحتها. كما نقل التحقيق عن المؤرخ أليستير هورن إقراره بإدارة ثلاثة عملاء لحساب الاستخبارات البريطانية أثناء عمله مراسلاً لـ«ديلي تلغراف» في ألمانيا خلال الخمسينات. ورجّح الباحث في تاريخ الاستخبارات ستيفن دوريل أن يكون العميل المزدوج جورج بليك قد نقل الوثائق إلى السوفيات.
وتكشف هذه القضايا كيف يمكن أن تتحوّل تهم التجسس إلى أدوات ضغط سياسي، وكيف استُخدم العمل الصحافي، في حالات موثّقة، غطاءً لنشاط استخباري. ويقتضي التمييز بين هذه الوقائع فحص الأدلة وطبيعة النشاط وظروف المحاكمة في كل قضية. فالاتهام الرسمي لا يكفي لإثبات التجسس، وصفقات التبادل تكشف أولويات الدول أكثر مما تحسم حقيقة الاتهامات.
