إياد أبو شقرا
صحافي وباحث لبناني، تلقى تعليمه العالي في الجامعة الأميركية في بيروت (لبنان)، وجامعة لندن (بريطانيا). عمل مع «الشرق الأوسط» منذ أواخر عقد السبعينات وحتى اليوم، وتدرج في عدد من المواقع والمسؤوليات؛ بينها كبير المحررين، ومدير التحرير، ورئيس وحدة الأبحاث، وسكرتير هيئة التحرير.
TT

الانتخابات النصفية الأميركية... سقوط مسلّمات وبروز مفارقات

دوام الحال من المحال... قبل أيام عاشت الولايات المتحدة تجربة انتخابية مهمة مع الانتخابات النصفية، التي تشهد مرة كل سنتين تجديد انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ وعدد من حكّام الولايات.

لكن هذه التجربة، على أهميتها، تظل عادية تقليدية في ممارسة الديمقراطية. ثم إنَّ الخبرة علّمتنا أنَّ لكل عملية انتخابية ظروفها وأبطالها، مثلما لها قضاياها وضحاياها.

في تقديري، ما كان الرئيس دونالد ترمب يتوقّع النتيجة التي آلت إليها تلك الانتخابات. بل أكاد أجزم أن كثرة من الديمقراطيين، ساسةً ومناصرين، لم يتجرأوا - هم أيضاً - على التفاؤل بما حقّقه فعلاً مرشحوهم في طول البلاد وعرضها. فالديمقراطيون لم يكتفوا بتغيير ميزان القوى داخل الكونغرس، بانتزاعهم الغالبية في مجلسي النواب والشيوخ، بل حقّقوا أيضاً انتصارات لافتة على مستوى حكّام الولايات... بينها «اختراقات» مفاجئة في التركيبة السياسية والثقافة السياسية.

في مجلس النواب، حتى مساء أمس بتوقيت لندن، ضمن مرشحو الحزب الديمقراطي فوزاً ضخماً بكسبهم 252 مقعداً (من 435 مقعداً) مقابل 162 مقعداً للجمهوريين.

ومع أنه كانت ثمة مؤشّرات قبل يوم الاقتراع تتوقّع انتزاعهم الغالبية في مجلس النواب، فإن هذه الغالبية تجاوزت التوقعات. وأيضاً تجاوز التوقعات حجم انتصارهم في مجلس الشيوخ، حيث حسموا الفوز بـ54 مقعداً (من أصل 100) مقابل 44 للجمهوريين (قبل إعلان النتيجتين الرسميتين لولايتي ميسيسيبي وألاسكا).

أكثر من هذا، التغيّر في ميزان القوى داخل الكونغرس، تكرّر بطريقة أو بأخرى في انتخابات حكّام الولايات. وقد يجادل البعض بأن المفاجأة هنا ربما كانت أكبر، وأكثر إيلاماً للجمهوريين، لا سيما أنهم خسروا حاكمية ولاية تكساس، أكبر معاقلهم السياسية على الإطلاق... و«قرّة عين» التريليونير اليميني إيلون ماسك.

في تكساس، ذات التاريخ الحافل في العلاقات العدائية مع «جارتها» المكسيك، سقط الحاكم الجمهوري اليميني غريغ آبوت، أحد «أبطال» حملة ترمب وحركة «ماغا» ضد الهجرة غير الشرعية من دول أميركا اللاتينية... أمام منافسته الديمقراطية «اللاتينية - التقدمية» جينا هينوهوسا.

وأيضاً، وفّرت تكساس - ثاني كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان بعد كاليفورنيا - منبراً مهماً على المستوى الوطني لمرشح «لاتيني» آخر من جيل الشباب، هو السيناتور الجديد جيمس تالاريكو، الذي فاز بأحد مقعديها في مجلس الشيوخ.

لإدراك مدى أهمية إنجازي هينوهوسا وتالاريكو، ينبغي الإشارة إلى أن ماسك أخذ يعتبر تكساس «ملاذاً آمناً» لاستثمارات أوليغارشيي التكنولوجيا الهاربة من «ضرائب كاليفورنيا». وأيضاً، أن آخر مرة فاز فيها مرشح ديمقراطي بعضوية مجلس الشيوخ عن تكساس كانت في عام 1970. ويومذاك، فاز السيناتور والوزير السابق لويد بنتسن على منافسه الجمهوري جورج بوش «الأب»... الذي واصل مع ذلك مشواره السياسي، وانتُخِب رئيساً للجمهورية، بل فاز بالرئاسة أيضاً ابنه (حاكم الولاية السابق) جورج بوش الابن.

ومن جهة أخرى، لا بد من القول إن فكرة الرئيس ترمب لبناء «جدار فصل» على طول الحدود مع المكسيك تعرّضت لنكسة مؤلمة؛ إذ بات الديمقراطيون يسيطرون على الولايات الحدودية الأربع مع المكسيك؛ أي تكساس ونيومكسيكو وأريزونا وكاليفورنيا.

عودة إلى المشهد العام الذي قد يؤسّس، أو لا يؤسّس، لـ«سيناريو» معركة 2028 الرئاسية. يُلاحَظ أن حجم تمثيل المرأة جاء ضخماً ومؤثراً، وكان بين المرشحات المنتصرات الطبيبة آني آندروز في ساوث كارولاينا، التي انتزعت مقعد السيناتور الجمهوري الراحل ليندسي غراهام، وكذلك فازت ديمقراطيتان من «الأميركيين الأصليين» (الهنود الحمر) بمقعد في مجلس الشيوخ عن مينيسوتا، وحاكمية نيومكسيكو.

والحال، أنه بات للديمقراطيين غالبية في مواقع حكام الولايات بـ28 مقابل 20، بينها معظم الولايات الأكبر سكاناً، مثل بنسلفانيا وأوهايو وميشيغان وجورجيا، بجانب تكساس، و«معاقلهم الحصينة» كاليفورنيا ونيويورك وإيلينوي.

وبالتوازي، انحازت هذه المرة غالبية واضحة من الأصوات «اللاتينية/الهسبانيكية» ضد الجمهوريين، بعكس الانتخابات الرئاسية قبل سنتين. بل ظهرت قيادات ديمقراطية شابة، بعضها «تقدمي» راديكالي من «الأقليات» العرقية والدينية، تتقدّمها حاكمة جورجيا الجديدة كيشا لانس بوتومز، التي غدت أول سيدة أفرو-أميركية تحكم هذه الولاية.

عموماً، تفوق الديمقراطيون في التصويت الشعبي بفارق يقارب 13 نقطة، وهذا أكبر هامش يحقّقه أي حزب منذ عام 1976. ولكن، ثمة مَن يشير إلى أن الاختبار الأهم للديمقراطيين يبدأ الآن.

في السياسة، حيث لا مسلّمات بل الكثير من المفارقات، سيواجه الديمقراطيون قريباً مشكلتين حقيقيتين بين الراديكاليين الشباب و«الحرس القديم» الذي يتقدّمه زعيمهم في مجلس الشيوخ تشاك شومر وزعيمهم في مجلس النواب حكيم جيفريز.

الأولى أن شومر وجيفريز رجلا «تسويات» و«لوبيات» - أبرزها «اللوبي الإسرائيلي» - ما سيسهّل على الجمهوريين اللعب على تناقضاتهما مع جيل الراديكاليين من الشباب والنساء والأقليات والمثليين.

والثانية أن الرئيس ترمب اختار ألا ينحني أمام «الإعصار الديمقراطي»، بل التصدّي له عبر تعيينه ستيفن ميلر، أقرب مستشاريه اليمينيين المتشدّدين، رئيساً لجهاز البيت الأبيض.

بالتالي، ستحمل الأيام المقبلة الكثير... سلماً أو حرباً!