د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

لبنان... الفنون المحرك الأساسي للاقتصاد

استمع إلى المقالة

في النصف الأول من القرن العشرين اقتصرت المهرجانات على مبادرات فردية، أو أنشطة للجمعيات الثقافية، أو عروض مسرحية أدبية ذات طابع فرنسي - لبناني مشترك. أما في النصف الثاني من القرن ذاته، فقد أخذت الساحة الفنية تستقطب أعداداً ضخمة من المهرجانات (أبرزها مهرجانات بعلبك الدولية التي تأسست في الخمسينات)، حيث شكّلت تلك الجمعيات والأنشطة النواة الأولى لهويّة الثقافات والفنون التي تبلورت في المسرحية اللبنانية خلال الثلاثينات والأربعينات.

في عام 1943، بعد ثلاثة وعشرين عاماً من نَيْل لبنان استقلاله الكبير، عرضت «الجمعية الوطنية لحفظ التراث اللبناني» في بعلبك مسرحية فرنسية كلاسيكية برعاية رئيس الجمهورية بشارة الخوري، وتحت أضواء طائرات سلاح الجو الفرنسي أيضاً. وكان المشرفون على الجمعية المذكورة ثلاثة من القامات الثقافية الشامخة: ميشال شيحا، وسعيد عقل، وفؤاد أفرام البستاني.

وفي عام 1953 تأسست «عصبة الخمسة» التي ضمَّت: زكي ناصيف، وتوفيق الباشا، والأخوين عاصي ومنصور الرحباني، وفيلمون وهبي. هدفت إلى تقديم لون من الغناء اللبناني الذي يستمدّ «جمله اللحنية» من الفولكلور. لكن في عام 1956، تأسّست لجنة رسمية لإدارة مهرجانات بعلبك برئاسة وجيه غصوب ضمّت ثلّة من المثقّفين ومحبّي الفنون أمثال نجيب حنكش، وشفيقة دياب، ومي عريضة، وموسى دو فريج... وبدعم مطلق من الرئيس كميل شمعون أضحت مهرجانات بعلبك في تلك السنة مؤسسة حكومية هدفها تشجيع السياحة الثقافية اللبنانية.

في السياق، فرضت السيدة الأولى آنذاك زلفا شمعون، إضافة الفولكلور إلى برنامج المهرجان. كما تبنّت التقرير الذي قدّمه الخبير الروسي في الرقص الشرقي إيغور موزاييف، إلى لجنة اليونيسكو في بيروت، مقترِحاً تأسيس فرقة محترفة للرقص الشعبي تعكس في أعمالها الأصالة الريفية لتكون منطلقاً لثقافة الشعب وتراثه. وبالفعل، وبناءً على اقتراح موزاييف، أوفدت السيدة الأولى إلى مدرسة موزاييف في روسيا، الراقصَين مروان ووديعة جرّار، ليعودا بعدها حاملَين مهارات رقص أدّت لاحقاً إلى تأسيس فِرَقٍ للرقص الشعبي في لبنان منحت مجالات لتطوير «الدبكة» وغيرها من فنون الرقص. وحالياً، هناك اقتراح لدمج «الدبكة» ضمن المناهج الأكاديمية في المدارس لإحياء هذا الرقص الشعبي اللبناني.

بينما في عام 1957، شكّل الرئيس شمعون لجنة مهرجانات بعلبك الدولية برئاسة إيميه كتّانة، وسلوى السعيد مسؤولة عن النشاط المسرحي، وعُهد إلى مي عريضة بالحفلات الموسيقية. فكيف حرّكت المهرجانات السياحة في لبنان؟

قبل أن يصحو لبنان على كابوس الأزمة الاقتصادية الخانقة عام 2019، كانت ليالي الصيف اللبنانية ترسم لوحة مغايرة تماماً عنوانها الفن والعالمية، وتحت غطاء من الازدهار الاقتصادي الوهمي والاستقرار الهش المحكوم بنظام «ريعي»، عاش قطاع المهرجانات عصر رواج غير مسبوق. تنقّلت الحفلات الضخمة والنجوم الدوليون بين المعالم التاريخية العريقة والطبيعة اللبنانية الفريدة، ليعيش المجتمع حركة ثقافية واقتصادية نشطة جعلت المدن والقرى من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب، شعلةً من الحيوية والفرح والتي انطفأ بريقها تدريجياً مع تصاعد حدّة الانهيار.

يواجه قطاع السياحة في لبنان، الذي لطالما عُدَّ الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني وقناته الرئيسية لجذب العملات الأجنبية، واحدة من أقسى الانتكاسات في تاريخه الحديث، مدفوعاً بضغوط جيوسياسية بالغة الأثر وتصعيد أمني واقتصادي حاد نتيجة التوترات والعدوان المستمر.

يرتبط القطاع السياحي ارتباطاً مباشراً بمؤشرات الاستقرار والسلم والأمن التي اهتزّت مع تصاعد العمليات العسكرية عام 2023، التي استمرت في التراجع عام 2024 بسبب الحرب بين إسرائيل و«حزب الله». إلا أنها عادت وحقّقت تقدماً في عام 2025 مع مؤشرات إيجابية، ثم عادت ثانية وانتكست مع حرب عام 2026. ولا يزال هذا الصراع مجهولاً حتى الآن، على الرغم من الجهود المبذولة لوقف نهائي لإطلاق النار، وتنفيذ بنود «اتفاق الإطار» الذي توصلت إليه المفاوضات بين البلدين.

علماً أنه إذا عدنا إلى الأرقام فسنرى أن قطاع السفر والسياحة وفّر 357100 وظيفة في عام 2025 مقارنة بـ341900 وظيفة عام 2024، بينما وفّر في عام 2019، 416600 وظيفة. لا سيما أن المجلس العالمي للسفر والسياحة (WTTC) قدّر إجمالي مساهمة السفر والسياحة في الاقتصاد اللبناني بـ18.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2025 مقارنةً بـ19.8 في المائة عام 2024، و19 في المائة عام 2019. كما قدّر أن القطاع أسهم بإيرادات بلغت 628.6 تريليون ليرة عام 2025، بانخفاض نسبة 6.5 في المائة عن عام 2024 مقارنةً بـ19.3 تريليون ليرة لبنانية عام 2019.

لم تكن الفنون والثقافة في لبنان يوماً مجرّد ترف عابر، بل هي الشريان الأبهر للبلد والمحرّك الأساسي للعجلة الاقتصادية والسياحية. ففي مواجهة الأزمات المالية الصعبة، تلعب هذه المهرجانات دور المغناطيس الجاذب للمغتربين والسياح على حدٍّ سواء.

على المقلب الآخر لا يمكن تجاهل الندوب التي تركتها الظروف الراهنة على وجه الثقافة؛ حيث انعكست الأزمات الهيكلية المتتالية سلباً على المشهدية الفنية بشكل عام. لكن رغم هذا التراجع الإجباري المخيّب للآمال في بعض المفاصل، يُثبت لبنان في كل مرّة قدرته الاستثنائية على طيّ صفحات الركود من بوّابة المهرجانات الفنية والأحداث الثقافية.