عادل درويش
صحافي معتمد في مجلس العموم البريطاني، وخبرة 55 عاماً في صحف «فليت ستريت». وكمراسل غطى أزمات وحروب الشرق الأوسط وأفريقيا. مؤرخ نشرت له ستة كتب بالإنجليزية، وترجمت للغات أخرى، عن حربي الخليج، و«حروب المياه»؛ أحدثها «الإسكندرية ، وداعاً: 1939-1960».
TT

حركة التاريخ... دائرية أم حلزونية؟

استمع إلى المقالة

كثر في الأسابيع الأخيرة الحديث في الصحافة ومراكز البحث عن احتمالات الحرب، من أوروبا إلى الشرق الأوسط، وعن عالم يبدو أقل استقراراً مما كان عليه منذ عقود. وفي مقال أثار عندي أكثر من سؤال، شبّه المؤرخ العسكري كوينتن درموند أندرسون، التوتر الدولي الحالي بأجواء عام 1939، قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية.

ليس المقصود، بالطبع، أن التاريخ يعيد نفسه بالحرف في شكل دائرة. روسيا اليوم ليست الاتحاد السوفياتي، والصين ليست يابان الثلاثينات، والولايات المتحدة ليست أميركا روزفلت. لكن ما يستحق التأمل هو أن سلوك القوى الكبرى يبدو مألوفاً بصورة مقلقة.

درموند أندرسون يرى أن التقدم العلمي والتكنولوجي سبق كثيراً نضج الإنسان النفسي والوجداني. تغيرت الأسلحة، كما يقول، لكن الغرائز بقيت كما هي: الخوف، والانتماء إلى الجماعة، والبحث عن عدو، والرغبة في الحماية، والطموح إلى الأرض والنفوذ.

وهنا تذكرت مقولة الفيلسوف جورج سانتايانا: «الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم بأن يكرروه». لكن ربما تكون المشكلة أشد من ذلك؛ فنحن قد نقرأ التاريخ جيداً، ونعرف أخطاء من سبقونا، ثم نقنع أنفسنا بأننا هذه المرة سنستخدم القواعد القديمة لمصلحتنا ولن نقع في المصير نفسه.

ولهذا لا أظن أن التاريخ يسير في خط مستقيم، ولا أنه يدور في دائرة كاملة. ربما يتحرك في مسار حلزوني صاعد: نعود إلى الغرائز والصراعات نفسها، ولكن في كل دورة نحمل معنا أدوات أكثر تطوراً، وبالتالي أكثر قدرة على التدمير.

فالذهنية القبلية السياسية لا تزال تسود المجتمعات الحديثة، بأشكال جديدة. بريطانيا مثلاً تعودت على صراع سياسي تقليدي بين حزبي «المحافظين» و«العمال». وأصبحت الهويات المتعددة تلون المنافسة السياسية: «بريكست» بمعسكريه البقائيين والخروجيين من الاتحاد الأوروبي، والقومية الجغرافية، كحال الحركتين الاسكوتلندية والولشية، والهجرة، وحرب أوكرانيا، وجدل المناخ.

لكنّ أحداثاً خارجية تعيد ترتيب هذه المعسكرات بطريقة لم يكن أحد يتوقعها. حرب غزة مثلاً جمعت المظاهرات والتحركات السياسية بين تيارات متنافرة، وفي صراع مواجهات أحياناً، حول القضايا الاجتماعية أو الثقافية؛ من اليسار والخضر وبعض التيارات الليبرالية، إلى حركات إسلامية محافظة، ومتشددة. قد يتفق الجميع على قضية واحدة، بينما تختلف تصوراتهم جذرياً عن شكل المجتمع الذي يريدونه.

لكن الصورة تصبح أخطر عندما تنتقل ذهنية التفكير الاستراتيجي القبلية من داخل الدول إلى العلاقات بين القوى الكبرى.

عندما قرأت رواية جورج أورويل 1984 حين كنت تلميذاً في الخمسينات، كان أهم ما لفت نظري هو التركيبة الديستوبية في سيطرة «الزعيم» («الأخ الأكبر» الذي لم يرَه أحد فعلياً) ومراقبة المواطن والسيطرة على اللغة. وبمراجعتها مؤخراً، تركز انتباهي على رؤية أورويل للعالم مقسماً إلى ثلاث كتل كبرى: أوشيانيا، وأوراشيا، وشرق آسيا، تتصارع وتغير تحالفاتها، بينما تتحول بريطانيا إلى «القاعدة الجوية رقم واحد» في كتلة أوشيانيا. ولم يكن أورويل يتنبأ بصراعات عام 2026، لكن التشابه يستحق التفكير.

روسيا تنظر إلى جوارها باعتباره مجالاً ضرورياً لأمنها ونفوذها، والصين أصبحت قوة عالمية لا يمكن تجاهلها. أما أوروبا، فرغم قوتها الاقتصادية، فما زالت تجد صعوبة في تحويل هذه القوة إلى موقف سياسي وعسكري موحد. وبدخول دونالد ترمب المشهد، تكرر السؤال: لماذا يبدو أحياناً أقرب إلى موقف فلاديمير بوتين في قضية أوكرانيا؟ لكن تجب إعادة صياغة السؤال. ربما لا يرى ترمب الأمر باعتباره انحيازاً إلى بوتين؛ بل عودة إلى فكرة تقسيم مناطق النفوذ.

أميركا لها مجالها في نصف الكرة الغربي، وروسيا تريد مجالاً في جوارها، والصين ترى لنفسها مجالاً في آسيا. ومن هذا المنظور يمكن فهم اهتمام ترمب بفنزويلا وغرينلاند، وضغوطه في القارتين الأميركيتين، وطريقته في النظر إلى التحالفات الدولية باعتبارها ترتيبات قابلة لإعادة التفاوض، وليست قواعد مقدسة. لكن المشكلة أن العالم ليس رقعة شطرنج فارغة. داخل كل «منطقة نفوذ» دول وشعوب لها إرادتها ومصالحها وهويتها.

بولندا عرفت ذلك عام 1939، وأوكرانيا تعرفه اليوم. ولهذا ربما يكون أخطر ما في العودة إلى سياسة مناطق النفوذ ليس صراع القوى الكبرى فيما بينها، بل مصير الدول الأصغر الواقعة بينها. التاريخ، إذن، قد لا يدور في دائرة، ربما يسير في لولب متصاعد.

نعود إلى الخوف نفسه، والطموح نفسه، والصراع نفسه على النفوذ. لكن في كل مرة نحمل معنا أسلحة أقوى، ووسائل اتصال أسرع، وقدرة أكبر على التأثير في العقول قبل أن تصل الجيوش إلى الحدود. وقد تكون مأساة الإنسان ليست أنه لم يتعلم من التاريخ؛ بل في أنه تعلمه جيداً، ثم أقنع نفسه بأن هذه المرة ستكون مختلفة.