جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

مَنْ يُصوّتْ أو مَنْ يُموّل؟

استمع إلى المقالة

لماذا يميل عددٌ متزايدٌ من أثرياء التكنولوجيا والعُملات المشفَّرة والذكاء الاصطناعي إلى دعمِ أحزاب اليمين الشعبوي، بعد أن كانت «وادي السيليكون» تُحسب تاريخياً على الليبراليين والديمقراطيين؟ أهي مصلحة اقتصادية مباشرة تتمثل في تنظيم أقل وضرائب أقل؟ أم إيمان آيديولوجي بـ«التسريع التكنولوجي» دون قيود تشريعية وأخلاقية؟ أم رهان سياسي على الطرف الأقوى؟

في الأسابيع الماضية، بدت هذه العلاقة في أكثر تجلياتها وضوحاً ببريطانيا، وأدَّت إلى هبوب عاصفة سياسية إثر تبرع مالي بلغت قيمته 72 مليون جنيه إسترليني لحزب الإصلاح البريطاني الشعبوي، قدّمه ثريان يعملان في أسواق العُملات المشفّرة. ويعدّ الأكبر في تاريخ السياسة البريطانية؛ إذ لم يتجاوز الرقم القياسي السابق 10 ملايين جنيه، كان من نصيب حزب المحافظين. المتبرعان البريطانيان اللذان دخلا التاريخ، كوّنا ثروتيهما خارج بريطانيا، ثم عادا للإقامة فيها مؤخراً، الأمر الذي أثار تساؤلات حول قواعد التمويل السياسي وعلو الأصوات بضرورة الإسراع بتمرير تشريعات جديدة، لضمان وجود مسافة بين الأحزاب السياسية ورؤساء الأموال تضمن عدم تدخل الأخيرين في مسار العملية السياسية الديمقراطية.

المبلغ المالي المذكور أعلاه، على ضخامته بالمقاييس البريطانية، يتضاءل أمام المليارات التي تتدفق سنوياً إلى الحزبين الكبيرين في أميركا. وظهرت مؤخراً تقاريرُ إعلامية بريطانية تتحدَّث عن مجموعة رجال أعمال كبار ينتمي أغلبُهم إلى قطاع شركات الذكاء الاصطناعي، تبرعوا بمبالغ مالية كبيرة للحزب الحاكم، بينما لم يتبرع للحزب المعارض سوى ثري واحد.

حين نعود إلى العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، نجد صورةً قد تبدو مألوفة: تحالف بين حركات فاشية ونازية وأصحاب رؤوس أموال صناعية، ومنهم مالكو مصانع السلاح. ونعرف ما انتهى إليه ذلك التحالف من دمار. لكن؛ هل نحن أمام تكرار للمشهد نفسه؟ أم أمام ظاهرة مختلفة الدوافع والسياق تستحق أن تُفهم بشروطها الخاصة؟

دوافع الصناعيين في ذلك الزمن كانت واضحة: اتقاء خطر الشيوعية والنقابات العمالية؛ فممَّن يخشى أباطرة التكنولوجيا اليوم؟ ربما من تدخلات الحكومات، أو من قيود تبطئ سباقاً يرون أنَّه يحدد مصيرَ شركاتهم. في هذا السياق يمكن قراءة موقف الرئيس ترمب، الذي رفضَ الدعوات إلى كبح تطوير الذكاء الاصطناعي، خلافاً لتحذيرات عدد من العاملين في المجال نفسه. ويبرر الرئيس موقفه بالمنافسة مع الصين، معتبراً أنَّ أي تدخل في القطاع سيكلف أميركا السباق. وهي حجة يتقاسمها معه كثيرون، لكن يبقى السؤال: هل هي مصلحة وطنية فعلاً؟ أم غطاء لمصالح الممولين؟ أم الاثنان معاً؟

للمال دور مهمٌّ في السياسة ودعم الأحزاب، وهو دور قديم قائم على تبادل المصالح بين الطرفين. غير أنَّ الافتراض بأنَّ المال يشتري الفوز تنقضه شواهدُ انتخابيةٌ كثيرة؛ ففي الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016، جمعت حملةُ هيلاري كلينتون، وفقَ إحصاءات رسمية، مالاً يفوق بكثير ما جمعته حملة دونالد ترمب، ومع ذلك فازَ الأخير بالرئاسة. ولم تكن تلك حالة معزولة، فقد تكرّر الأمر ببريطانيا في انتخابات عام 2024.

المال الذي عجز عن شراء الفوز عام 2016 في أميركا، لم يكن يملك وقتذاك ما يملكه اليوم؛ ففي ذلك العام، لم يكن أباطرة التقنية يقفون في معسكر ترمب كما يقفون الآن، ولم يكن كثير منهم يملك أدوات التأثير التي يملكونها اليوم. التحالف الجديد بين اليمين الشعبوي وهؤلاء الأباطرة التكنولوجيين، في رأيي، لا يراهن على شراء الأصوات يوم الاقتراع؛ بل على تشكيل الرأي العام في الأيام والسنوات التي تسبقه.

خطر «المال الرقمي» لا يكمن في ضخامة الأرقام التي تدخل حسابات الأحزاب فحسب؛ بل في أنَّ أصحابه أصبحوا يملكون الأدوات التي توجّه الرأي العام: المنصات والخوارزميات... إيلون ماسك مثالاً.

رأس المال الصناعي في الثلاثينات كان يموّل من يدافع عن مصالحه، أمَّا رأس المال التقني اليوم فيمتلك الوسيلة والرسالة معاً. هذا هو الفرق النوعي بين الحالتين، وهو ما يضع الديمقراطيات الغربية أمام تحدٍّ غير مسبوق. ويفضي بالضرورة إلى تغيير السؤال في العنوان أعلاه، «من يُصوّت أو من يُموّل؟»، إلى صياغة أخرى هي: من يمتلك الفضاء الذي يتشكل فيه عقل الناخب قبل أن يدلي بصوته؟