في شهر يوليو (تموز) الماضي 2026، ازدحمت طوابير المشاهدين أمام دور السينما في عواصم الغرب لمشاهدة فيلم «الأوديسة»؛ الملحمة الإغريقية المنسوبة إلى الشاعر اليوناني هوميروس. تروي الملحمة رحلةَ عودة أوديسيوس ملك إيثاكا، المعروف في التراجم العربية بـ«عوليس»، إلى جزيرته بعد حرب طروادة، وما لقيه في طريقه، على مدى سنوات، من مصاعب وأهوال.
على الساحل الشمالي الغربي للبحر الأسود، في جنوب أوكرانيا، تقع مدينة بحرية تحمل اسم «أوديسا». التشابه بين الاسمين لفظي لا اشتقاقي.
المدينة أصبحت أوكرانية منذ استقلال أوكرانيا عن روسيا في عام 1991 وسُمّيت «أوديسا» تيمّناً بأوديسيوس.
تقول المصادرُ التاريخية إنَّها أنشئت في عام 1794 في عهد الإمبراطورة الروسية كاثرين الثانية، على أنقاض مدينة عثمانية عقب انتقالها إلى الحكم الروسي بعد الحرب الروسية - العثمانية. الإمبراطورة كاثرين سمَّت المدينة أوديسا. وتوجد اليوم في الولايات المتحدة مدن عدة بالاسم نفسه، يبلغ عددُها اثنتي عشرة مدينةً، موزعةً على ولايات مختلفة.
منذ شهر يوليو الماضي، وهو الشهر نفسه الذي بدأت دور السينما في عواصم الغرب عرض فيلم «الأوديسة»، غدتِ المدينة (أوديسا) هدفاً لغارات جوية روسية بالمسيّرات النفاثة والصواريخ، أدّت إلى تدمير بنيتها التحتية، وتوقف مينائها عن العمل وتعطّل صادرات الحبوب الأوكرانية إلى نحو 70 بلداً، يعتمد عليها نحو 300 مليون شخص في غذائهم.
ما يجري في «أوديسا» الأوكرانية يقترب من أن يكون نسخة أخرى، مختلفة الشكل، مما يجري في مضيق هرمز بعد إغلاقه، إذ أربك نقص الإمدادات النفطية أسواق النفط العالمية وأدَّى إلى ارتفاع الأسعار. ولو أنَّ «هرمز» هو الممر الحيوي الأهم الذي تمرُّ عبره الإمدادات العالمية الحيوية لمعظم دول العالم.
منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) ذكرت في بيان لها أن تصاعد القتال حول أوديسا دفع أسعار الغذاء العالمية في أغسطس (آب) إلى مستوى لم تبلغه منذ عام 2022، وهو العام الذي بدأت فيه الحرب بين البلدين، حيث توقف تصدير القمح الأوكراني لفترة تقرب من ستة أشهر، وأدى إلى حدوث أزمات في عديد من البلدان.
قبل ميناء أوديسا، تعطّلت صادرات الحبوب الروسية في ميناء «نوفوروسيسك» الروسي، على الساحل الشرقي للبحر الأسود، وهو منفذ شحنات القمح الروسية إلى أنحاء العالم. الإحصاءات الدولية تقول إن روسيا وأوكرانيا تنتجان معاً نحو 30 في المائة من القمح العالمي و20 في المائة من الذرة. وكانت أوكرانيا قد بدأت بضرب الميناء الروسي والأسطول الحربي الروسي واستهداف وتدمير ناقلات تحمل النفط الروسي في عرض البحر، ثم جاء الرد الروسي في شهر يوليو الماضي بهجمات جوية عنيفة على أوديسا ومينائها. ركزت الغارات الجوية الروسية على ضرب محطات توليد الكهرباء وتدمير الميناء لمنع تصدير القمح لحرمان الخزينة الأوكرانية من مليارات الدولارات، وإضعاف معنويات السكان، وبالأخص من المزارعين بحرمانهم من بيع محاصيلهم.
وسائل إعلام أوكرانية ذكرت أن روسيا شنت نحو 124 هجوماً على موانئ أوديسا والسفن التجارية الراسية فيها.
ولم تُسعف البدائل؛ فنهر الدانوب انخفض منسوبه إلى مستويات قياسية، ونقل الحبوب برّاً عبر بولندا ورومانيا وسلوفاكيا والمجر لا يعوّض الطاقة الاستيعابية للميناء. وفي وقت واحد، يقلق المزارعون الأوكرانيون على محاصيل تملأ الصوامع وتُباع بأقل من تكلفة إنتاجها لمجرد التخلص منها، ويقلق العالم من شحّ الحبوب في الأسواق الدولية وغلاء أسعارها.
البحر في الأوديسة (الملحمة) الإغريقية وأوديسا (المدينة) الأوكرانية يلعب دور الشاهد.
ففي الأولى كان معبراً مائياً خاضه «عوليس» وسط الأهوال عائداً إلى مملكته منهكاً بعد غياب دام نحو عشر سنوات.
أما في الثانية فقْد فقد خاصيته اللوجستية وتحوّلت معابره وأعماقه إلى مقابر للسفن.
