... كل هذا، للأسف، متوقَّع. كل يوم صورة أخرى بلباس السجن لرجل من الفلول، أي النظام السابق. عندما يصبح النظام سابقاً تسهل إهانته وتتساقط النجوم عن الأكتاف وتتساقط معها الألقاب الموازية للرتب والمهابة.
السجين اليوم في مكان السجان أمس. فوضى في كل مكان. هاربون، والملاذات قليلة. وما أقسى الأقدار عندما تنقلب بصاحبها الذي كان مقتنعاً بأن أبديته من النوع الذي لا يزول، وأن الخوف ضمانة لا تخطئ. لكن هكذا اعتقد كثيرون من قبل. كل يوم صورة لضابط سابق باللباس القاتم والمقلّم. كان يرعب بيروت ودمشق والجوار، وصار مطلوباً للقضاء.
جميلة كلمة القضاء في العالم العربي، وغالباً ما تُستخدم تحاشياً للإشارة إلى مرادفها.
تمتلئ مكتبات بيروت بالمذكرات هذه الأيام. أصحابها يتذكرون ما كان ممنوعاً إلا في الكوابيس. لكنّ الأبد يخطئ هو أيضاً، وتدبّ الفوضى ويصبح ثوب السجان مضحكاً بعدما كان مرعباً إلى الأبد.
المذكرات كثيرة وكلها مخيف وجُلُّها دون الحقيقة. هذا هو دور بيروت منذ البداية، ترحب بهذا، وتصفّق لذاك، وتنتحر مع من يشاء.
«شعب واحد في دولتين» كان يقول الرئيس حافظ الأسد. لكنّ الصورة لا تصدّق اليوم. والرئيس السوري يقول ببساطة وشجاعة: شعبان في بلدين وصديقان معاً.
ليس سارّاً لأحد مشهد ضباط النظام داخل المخافر اللبنانية في الطريق إلى سجونهم. الطرقات الجديدة بيوت وليست سجوناً.
