د. سعاد كريم
باحثة لبنانية
TT

الذكاء الاصطناعي يقود قاتلة الاقتصاد العالمي

استمع إلى المقالة

كان يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه تكنولوجيا مستقبلية من نسج روايات وأفلام الخيال العلمي، لكنه أصبح حقيقة واقعة، وله القدرة على التأثير على جميع مجالات حياتنا اليومية في علم الوظائف والرعاية الصحية والأنشطة البشرية... وذلك بفضل التكنولوجيا الحديثة. ويُعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيكون قادراً على أداء جميع المهام التي يقوم بها البشر بكفاءة عالية جداً تفوق البشر، وسيتفوّق على مجموع ذكاء البشرية جمعاء بحلول عام (2030 أو 2031)، كما صرّح إيلون ماسك لمجلة «الإيكونوميست»، وحذّر من أنّ البشر قد يفقدون السيطرة تماماً على هذه التكنولوجيا خلال السنوات العشر المقبلة.

هكذا أضحى الذكاء الاصطناعي أحد العوامل المؤثرة في الاقتصاد العالمي ومسارات نموه، ولم يعد مجرّد تقنيّة متقدّمة تنتمي إلى عالم التكنولوجيا. وأخذ يتعاظم دوره اليوم في توجيه وصناعة القرار والإنتاج وإدارة المؤسسات والأسواق وفي طبيعة النشاط الاقتصادي العالمي نفسه، بحيث يمر الاقتصاد العالمي اليوم بمنعطف جذري جديد؛ إذ لم تَعُد فيه الوفرة الرأسمالية والموارد الطبيعية والقوى العاملة وحدها المحرك الأساسي للنمو، بل دخلنا حقبة جديدة تتصدّر فيها القدرة على امتلاك البيانات والتكنولوجيا واستثمارها والسيطرة عليها لتوليد ثروات وقيم اقتصادية مبتكرة.

لم يعُد الذكاء الاصطناعي مجرّد مفهوم علمي يقتصر على أفلام الخيال العلمي، بل تحوّل بسرعة ليصبح المحرّك الأساسي لنمو الاقتصاد الحديث والركيزة الأولى في إعادة تشكيل مفاهيم الإنتاجية والكفاءة في سوق العمل العالمي.

من خلال قدرته الفائقة على أتمته كميات هائلة من العمليات المعقّدة وتحليل البيانات بدقة متناهية، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة للشركات والدول لتعزيز تنافسيتها.

يتجلّى الذكاء الاصطناعي في أدواره الإيجابية في وقت يبحث فيه العالم عن آليات جديدة لدفع عجلة النمو؛ ليبرز الذكاء الاصطناعي كقوّة دافعة تعيد تشكيل المشهد الاقتصادي بالكامل. لم يعُد الأمر طفرة تكنولوجية عابرة، بل أصبح تحوّلاً جذرياً في بيئات العمل يسهم مباشرة في رفع معدّلات الإنتاجية وخفض التكاليف التشغيليّة للمؤسسات بمستويات غير مسبوقة.

تكمن القوة الحقيقية لهذه التقنيّات في قدرتها العالية على محاكاة القدرات الذهنية البشرية، وتعويضها جزئياً أو كلياً في وظائف معقّدة. ومن خلال تولّيه المهام الروتينية والمكرّرة مثل معالجة البيانات الضخمة، وإجراء العمليات الحسابية بالغة التعقيد. نجح الذكاء الاصطناعي في تحرير رأس المال البشري للتركيز على الابتكار والتخطيط الاستراتيجي، منجزاً تلك المهام بسرعة فائقة ودقة متناهية.

علاوة على ذلك، أحدثت خوارزميات التنبّؤ ثورة، حيث باتت المؤسسات اليوم قادرة على توقّع توجّهات المستهلك المستقبلية في علاقة الشركات بأسواقها. هذا التحوّل الرقمي أسهم بشكل ملموس في تقليص هامش الخطأ البشري، ومنح الشركات قدرة استباقية تضمن لها كفاءة الإنتاج وتجنّب الهدر المالي.

ومع ذلك، فإن الوجه المشرق للتقنية يوازيه جانب مظلم يثير مخاوف الخبراء والمشرّعين. وتتبلور هذه المخاوف في مسألة «الاعتماد المفرط» على الخوارزميات في اتخاذ القرارات الحيوية. فالاندفاع نحو تفويض الآلة بالكامل في رسم السياسات الاقتصادية والمالية يضع المجتمعات أمام تحدّيات قانونية شائكة؛ لعلّ أبرزها معضلة «المسؤولية الجنائية والمدنية»: فمن يتحمّل وزر الخطأ عندما تتسبّب هذه الأنظمة في خسائر فادحة أو أزمات معيشية؟

إن الأزمة الحقيقية تكمن في أن قرارات الذكاء الاصطناعي تصدر مجرّدةً من أي بُعد إنساني؛ ما يجعلها عاجزة عن استيعاب «الاستثناءات» التي يفرضها الواقع البشري في حال مراعاة ظرف استثنائي تحقيقاً للعدالة الاجتماعية والإنسانية، حيث تفتقر الآلة تماماً لهذا «الضمير»؛ ما قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات «ممنهجة» غير عادلة ومجحفة بحقّ الأفراد والمؤسسات.

تتصاعد المخاوف والتحذيرات الدولية من التداعيات العميقة والمخاطر غير المحسوبة للذكاء الاقتصادي على الاقتصاد العالمي، حيث يرى خبراء المال والأعمال أن الطفرة التكنولوجية قد تكون «هزّة ارتدادية» تعيد رسم خريطة سوق العمل بالكامل. وتتمحور أبرز المحاذير حول تفاقم أزمة البطالة الهيكلية نتيجة الأتمتة السريعة التي تهدّد ملايين الوظائف - ليس فقط التقليدية منها، بل والمهنية المتقدمة أيضاً -؛ ما قد يؤدي إلى اتساع فجوة عدم المساواة الاقتصادية وتعميق الفوارق الطبقية بين الدول المتقدمة تكنولوجياً والنامية. علاوة على ذلك، يحذّر المحلّلون من مخاطر احتكار الشركات الكبرى لتقنيات الذكاء الاصطناعي؛ ما يقوّض المنافسة العادلة، فضلاً عن التهديدات المرتبطة بالأمن السيبراني، والتزييف العميق الممنهج الذي يمكن أن يزعزع استقرار الأسواق المالية من خلال بثّ معلومات مضلّلة؛ ما يضع صنّاع القرار أمام تحدٍّ مصيري يوازن بين دعم الابتكار وفرض ضوابط صارمة لحماية الاستقرار الاقتصادي.

لا يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تكنولوجية عابرة، بل هو محرّك أساسي لصياغة ملامح الاقتصاد العالمي الجديد. ومع ذلك، فإن نجاح هذا التحوّل الاقتصادي مرهون بمدى قدرة الحكومات والمؤسسات على مواجهة تحدّياته، لا سيما فيما يتعلق بأمان الوظائف وفجوة التوزيع العادل للثروات. إن المستقبل الاقتصادي لن يكون لمن يمتلك التكنولوجيا فحسب، بل لمن يتقن توجيهها لخدمة البشرية وضمان نموّ شامل ومستدام.

هل يبتلع تسونامي الذكاء الاصطناعي الاقتصاد العالمي أم يعيد تشكيله؟