بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

السعودية... الثبات على الأسس والمرونة في الأدوات

استمع إلى المقالة

يمثّل الخطابُ الملكيُّ السعوديُّ في مجلس الشورى حدثاً مرتقباً كلَّ عام؛ ففيه يستعرض الملكُ سياسةَ الدولة الداخلية والخارجية أمام حفلٍ مهيبٍ ترصده الدوائرُ السياسية وتتناقله وسائلُ الإعلام. ولا تكمن دلالاتُ هذه الخطابات الملكية السنوية في رسائلها فحسب؛ بل في توقيتها والمناخ السياسي والاقتصادي الذي تصاحبه.

وقد استهلَّ الخطابُ الملكيُّ السنوي هذا العام، الذي ألقاه نيابةً عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمانَ بن عبد العزيز، وليُّ العهد الأمير محمد بن سلمان، بالتذكير بحدث مهم يرتقبه السعوديون، وهو احتفال الدولة السعودية في يوم التأسيس المقبل (22 فبراير/شباط 2027) بالذكرى الثلاثمائة لتأسيسها، وليؤكد أنَّ الدولة وعبر ثلاثة قرون قائمة على الكتاب والسنة، ومتمسكة بالتوحيد والعدل، وأنَّها لن تحيد عن هذا النهج، وستواصل الحفاظ على إرثها وقيمها الأصيلة التي تزداد مع الأيام تجذراً وقوةً، وأشاد الخطاب الملكي في معرض ذلك بالمواطنين الذين يزدادون يوماً بعد يوم تمسكاً بعقيدتهم الخالصة وهويتهم الوطنية الراسخة.

ولنتعمق في فهم الخطاب من جهة، وقراءة مضامين باقي فقراته؛ نقول إنَّ عمق الدولة التاريخي، ونهجها الإسلامي الراسخ، وخدمتها للحرمين الشريفين، وهويتها الأصيلة، لم تكن إطاراً مرجعياً لها فحسب؛ بل كانت نهجاً ثابتاً ممتداً خلال قرون ثلاثة، وهي قرون شهد فيها العالم من التحولات الكبرى ما قلب موازين القوى غير مرة، وغيّر حدود الدول الأخرى، وتوجهات شعوبها، وأولويات حكوماتها. وبقيت الدولة السعودية كعهدها الأول موئلاً لرسالة الإسلام والقيم العربية الأصلية، وللدول الأخرى مثلاً في الاستقرار والثبات على الموقف، وبقي الشعب السعودي على عهده الدائم مع قيادته وفياً لها وفاءً عزَّ له نظير.

استعرض الخطاب الملكي منجزات الدولة خلال العقد الأول من رؤية 2030، كأنه بذلك يؤكد أن تلك المنجزات ما كانت لتكون لولا ثبات نهج الحكم السعودي الرشيد منذ ثلاثة قرون على أسس العدل والشورى والمساواة. وأن سياسة الدولة الداخلية والخارجية وإن كانت تسترعي دوماً التخطيط الطويل الأمد لكل المتغيرات، إلا «أن التخطيط الطويل المدى لا يعني الثبات والسكون؛ بل القدرة على التكيف مع المتغيرات».

ولم يأتِ الخطاب كجردة حساب لاستعراض منجزات ما مضى من سنوات؛ بل ذهب إلى تحديد ملامح المرحلة المقبلة، رغم ما تمر به المنطقة والعالم من تحولات متسارعة يصعب التنبؤ بمآلاتها.

فالمملكة العربية السعودية حين أطلقت رؤية 2030 عام 2016، لم تبنِها على افتراض عالم مستقر، بل على افتراض عالم متغير، واستهدفت بناء مؤسسات أكثر قدرة على التصدي لأي أزمات والاستفادة من التحولات، وقد تجلَّى ذلك في نجاح الدولة في التعامل مع جائحة «كورونا»، ثم فيما شهده الاقتصاد العالمي من تباطؤ نمو، وأخيراً في اضطرابات سلاسل الإمداد غير المسبوقة نتيجة للصراعات التي تشهدها المنطقة اليوم. كما تجلَّى ذلك في عناية الدولة بالاستثمار المبكر -عبر صندوقها السيادي- في أدوات وقطاعات المستقبل، ومن بينها تقنيات «الذكاء الاصطناعي» الذي سُمي عام 2026 باسمه إعلاناً لهدفها المنشود بأن تكون المملكة العربية السعودية رائدة فيه عالمياً.

فقوة الدول لم تعد تقاس بما تملكه من موارد تقليدية فحسب؛ وإنما بقدرتها على امتلاك تقنيات المستقبل وتوطينها وتحويلها إلى قدرات إنتاجية ومعرفية واقتصادية. لذا لم يأتِ التنقل بين ملفات النفط والتعدين والخدمات اللوجستية والذكاء الاصطناعي في الخطاب كانتقال بين ملفات متباعدة؛ بل جاء تعبيراً عن مفهوم أشمل للقوة الوطنية التي تتغيَّا القيادة السعودية تعظيمها.

الأرقام والنسب المحقَّقة التي وردت في الخطاب لم تقتصر وظيفتها على استعراض المنجزات؛ وإنما استُحضرت كذلك للدلالة على أن الاقتصاد السعودي أصبح أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات بتوسعه وتنوعه، خصوصاً أن المملكة العربية السعودية أدارت أزمات سابقة وتعاملت مع ارتدادات أمن الممرات المائية وتأثيراتها على الطاقة، عصب الاقتصاد العالمي، الأمر الذي زاد من قدرتها على تحويل التهديدات إلى فرص تعزز مكانتها وتبرز إمكاناتها.

في ثنايا الخطاب، تقاطع الجانب السياسي والأمني مع الاقتصادي، وأتى المشهد الأكثر أهمية، وهو أن المملكة العربية السعودية وبعد أن أطلقت رؤية تستهدف تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط، وبعد أن شهد العالم مؤخراً أكبر اضطراب تشهده أسواق النفط في التاريخ، برهنت من جديد على أنها صمام أمان إمدادات الطاقة العالمية رغم أقسى الظروف؛ أتى ذلك بعد أن آتى استثمارها التحوطي القديم في خطوط ومرافق إمداد بديلة أُكُلَه، وجاءت منظومة الخدمات اللوجستية الحديثة في إطار الرؤية لتعظِّم من أثرها وفاعليتها على تحمل الصدمات.

من هنا، يمكن فهم مبادرة المملكة لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة سعودية؛ بهدف بناء إطار مؤسسي لحماية شرايين الاقتصاد العالمي والحيلولة دون وقوع ما يحدث من اضطرابات.

في سياق متصل، جاء تكوين «حلف مكة الدفاعي» لبناء قدرة ردع جماعية من ثلاث دول إسلامية تملك كل منها ثقلاً استراتيجياً فريداً خاصاً بها، وجاء الخطاب الملكي ليؤكد أن «الأمن والاستقرار الخليجي كلٌّ لا يتجزأ»، وهو تأكيد جديد على أن التزام الدولة السعودية بتحالفاتها -السابقة واللاحقة- هو التزام راسخ تكاملي.

ورغم أن هذه العبارة ليست جديدة في الخطاب السياسي السعودي، فإن توقيتها يجعلها أكثر أهمية، فالتطورات الأخيرة أثبتت أن التهديدات وفي الخليج تحديداً لا تقف عند الحدود السياسية، كما أن أمن الطاقة والملاحة والمجال الجوي والبنى التحتية بات منظومة مترابطة لا يمكن أن تتعامل معها الدول منفردة.

كما عبَّر الخطاب الملكي عمَّا يخالج كلَّ السعوديين من فخر شديد بأبطال الوطن البواسل، من منسوبي مختلف القطاعات العسكرية والأمنية والاقتصادية، الذين يتصدّون للتهديدات القائمة ليبقى «الأمن مظلة للبلاد، والاستقرار درعاً لها، والازدهار نهجها»، كما جاء في التعبير البديع للخطاب الملكي.

الخطاب جاء أيضاً ليؤكد النَّهجَ السياسيَّ السعوديَّ في عدم تقديم القوة بديلاً عن السياسة. وهنا نقطة تسترعي الانتباه، فالتأكيد على امتلاك المملكة قدرات بشرية وعسكرية قادرة على الردع، جاء مع التأكيد على أولوية خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية؛ فالحكمة السعودية في تغليب السلم والحوار لا تعني أبداً استبعاد خيار المواجهة.

ويبقى استحضار التاريخ في افتتاحية الخطاب، مروراً بنهج الدولة وثوابتها، ثم الحديث عن رؤية 2030، وصولاً إلى تحديات الحاضر وتحولات المستقبل؛ رسالة واضحة الدلالة في مضامينها وتسلسلها، فالدولة التي تدرك كيف قامت، تعرف كيف تحافظ على ثوابتها ومكتسباتها، وتعي كيف تصل إلى وجهتها في طريق مليء بالتحديات.

وبين الثبات على الأسس والمرونة في الأدوات، يمكن فهم ملمح مهمّ من قصة الدولة السعودية، ويظلّ هذا أحد العناوين الكبرى الذي حفل بها الخطاب الملكي.