سوسن الأبطح
صحافية لبنانية، وأستاذة جامعية. عملت في العديد من المطبوعات، قبل أن تنضم إلى أسرة «الشرق الأوسط» بدءاً من عام 1988، كمراسلة ثقافية من باريس، ثم التحقت بمكتب الجريدة في بيروت عند افتتاحه عام 1995. تكتب بشكل رئيسي في المجال الثقافي والنقدي. حائزة درجة الدكتورة في «الفكر الإسلامي» من جامعة «السوربون الثالثة». أستاذة في «الجامعة اللبنانية»، قسم اللغة العربية، عام 2001، ولها دراسات وأبحاث عدة، في المجالين الأدبي والفكري.
TT

مات بتهمة الانتحال الإلكتروني

استمع إلى المقالة

لا تزال قضية الكندي - الهايتي، ثيليسون أورليان، الذي سُحِبت روايته «كان هذا أو الموت» من سباق جائزة «غونكور» الأدبية، الأرفع في فرنسا، بتهمة كتابتها بالذكاء الاصطناعي تتعقد، وتسيل الحبر؛ فالاتهام جاء من صفحة على «تويتر»، في وقت لا تزال فيه برامج كشف التزييف غير موثوقة. لكن الاستبعاد من المنافسة جاء من باب درء الشبهة؛ فكتاب باع عشرات آلاف النسخ، ووافق عليه ناشران كبيران، ونال جائزة مكتبات «فناك» ورُشّح لأكبر جائزة فرنسية وجوائز أخرى، ثم يأتي شخص على صفحة تواصل اجتماعي وينسف كل شيء، ويتبعه آخرون، هذا ما يثير الاستغراب!

القصة ليست الأولى من نوعها. لكن الرواية هذه المرة، وصلت إلى عتبة التتويج الأعلى. ولهذا يتساءل ناقد فرنسي: ما دامت الرواية أُخضعت للفحص الإلكتروني ورسبت؛ لماذا لا تخضع كل الروايات المرشحة للجائزة للاختبار نفسه، وتُعامل بالتساوي، وعندها يتم الظلم أو العدل بالسوية؟ الأسئلة كثيرة، حصوصاً أن أرباب الذكاء المصنّع يطورون بسرعة البرق مهارة توليد النصوص والصور وكل ما يلزم، ولا يجهدون أنفسهم بالقدر نفسه لمنحنا الأدوات اللازمة لكشف المصدر؛ إن كان بشرياً أم مولَّداً؟ وكأنما بقاؤنا في الضباب هو جزء من مهمتهم، أو مطلب المرحلة، بينما يتم نقلنا إلى فضاء آخر.

يشتكي كثيرون من أن برامج كشف التزييف، على أنواعها، تضعف قدرتها كلما أصبح التوليد أكثر دقة ومهارة. مما يعني أن الآتي لن يكون أفضل، على المدى المنظور على الأقل.

الأمر لا يتوقف على الكتب؛ حيث صار كل كاتب متهماً حتى يثبت العكس، وكذلك كل صحافي ومصوِّر ورسام، وحتى ملحِّن أو شاعر. وهو ما يخلق حالة من اليأس بين فئات يفترض أنها الأكثر إبداعاً وخلقاً؛ فلا أحد يريد أن يضحي بسنوات من عمره سجيناً، في سبيل كتابة رواية، ليأتي مَن لا يفقه فكّ الحرف وينسف مصداقيته، لا بل ويوجه إليه أقذع الاتهامات بالسرقة والانتحال. البعض توقف فعلاً عن العمل، وبعض آخر يحتفظ بمسوداته وخطط تطوير روايته أو عمله الفني لإثبات مصداقية ما أنتج.

هذه مهزلة لكتّاب كانوا يوماً أيقونات وطنية، تحتذي بكلماتها ومساراتها الأجيال، وها هي الآلات تضعهم في أقفاص الاتهام والمهانة، فقط لأن سباق الذكاء الاصطناعي يذهب في اتجاه واحد، غير عابئ بالخراب الذي تحصده البشرية وهي تدفن المصداقية، وتعتاش على الشكّ المستدام، وتهرول مسرعة لتلحق بالقطار الذاهب إلى المجهول.

فإذا كانت برامج الكشف بمقدورها تمييز الصورة المزيفة بنسبة عالية جداً تصل إلى 97 في المائة، لأنها مشهد ثابت يمكن قراءة عوراته بسهولة، فإن كشف كذب الفيديوهات المتقنة آلياً أشد وعورة. وقد يكون الإنسان بالعين المجردة أقدر على كشف حقيقة ما تراه عيناه من الخوارزميات التي انخفضت قدراتها أمام الأشرطة المصورة إلى مستويات مخيفة، فيما يستطيع البشر تمييز الحقيقي من المركَّب في نحو ثلثي الحالات فقط.

والوضع فيما يخص الصوت أكثر خطورة من الكتابة والصور والفيديوهات. قبل عامين تلقى ناخبون أميركيون في ولاية نيوهامبشر مكالمة بصوت الرئيس الأميركي جو بايدن، يحثهم فيها على التصويت، ليتبين فيما بعد أنها مجرد زيف؛ فأصوات أصدقائك أو من تحب قد تُستخدم لاختلاسك أو لدفعك إلى فتح باب منزلك للصوص، لأنك غالباً لن تتمكن من كشف كذبها. وهذا يتكرر كثيراً. نشرت جامعة «سوث فلوريدا» الأميركية دراسة حديثة بينت أن أفضل البرامج لاكتشاف الأصوات المزيفة لا تزال غير موثوقة، وأن الخمسين في المائة التي تنجح بها البرامج، تجعل نتائجها أقرب إلى التخمين العشوائي منها إلى الرأي الذي يمكن الركون إليه.

كلما تم إتقان توليد الأصوات تتضاءل قدرة برامج الكشف على تحديد مصدرها، خصوصاً إذا ما ترافقت مع أي تشويش بسيط، وهذا شائع. وحين يصبح الخطأ بنسبة النصف، فهذا يعني أننا أمام جهل تام، وهنا تمكن الخطورة؛ إذ إن عدم وجود وسائل كشف بالمطلق أفضل من برامج مضلِّلة ومشككة، لأنها تثير الريبة، ولا تبعث على الإحساس بالأمان.

أثمان هذه الوضعيات الضبابية باهظة؛ فبعد التشكيك في أعمالهم، ثمة مَن يستقيل، أو يعتزل، ومَن يفضل الانطوائية والانسحاب من الحياة الاجتماعية. وحكاية أستاذ التربية وعلم الاجتماع بجامعة كامبريدج، جيسون أرداي، الذي دار جدل حول انتحاله لأعمال بحثية، أصبحت شهيرة، وتدعو للتفكر في ألم فظيع وقاتل يتعرض له المتهمون الذين لن تُثبت براءتهم أبداً. فقد اضطر الأستاذ أرداي، إثر الحملة التي تعرض لها، إلى الاستقالة من عمله، بعدما وُجه له نقد وتنمر شديدان، ثم عُثِر على جثته بعد مدة من اعتزاله، منتحراً في جنوب لندن.

الأمثلة لم تعد تحصى، والضحايا في غالبيتهم ينكرون لجوءهم للانتحال الإلكتروني، ويدافعون عن أنفسهم، فلا تثبت تهمة عليهم، ولا يستطيعون تأكيد براءتهم، وتلك هي المعضلة.