في خضم المعارك والحروب والطائرات والمسيّرات والصواريخ التي تجوب الفضاء ويعيشها العالم اليوم ما بين روسيا وأوروبا أو الحرب الأميركية - الإيرانية أو استهداف الحوثي للمدن السعودية أو ما يعيشه السودان من حرب طاحنة وغيرها من النزاعات، هنالك معركة تجري بعيداً عن ذلك، وهي معركة ضبط استخدامات الذكاء الاصطناعي.
معركة ضبط استخدامات تقنيات الذكاء الاصطناعي، وخصوصاً في الحروب، أصبحت تتصاعد بشكل كبير مع ازدياد استثمار الشركات العالمية بمبالغ تريليونية، وسيكون هذا الملف من أهم الملفات على طاولة النقاش في اجتماع الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ، والمتوقع أن يكون نهاية هذا الشهر في واشنطن، وذلك مع تصاعد استخدامات الذكاء الاصطناعي في الحروب والهجمات السيبرانية والأنظمة العسكرية.
صحيح أن الولايات المتحدة والصين أكبر قوتين اقتصاديتين وتكنولوجيتين في العالم، إلا أن الحوار حول أخطار الذكاء الاصطناعي وضبطه أصبح ضرورة وملفاً من ملفات الأمن العالمي، وقد يرى البعض أن النقاش الأميركي - الصيني عن أخطار الذكاء الاصطناعي يعتبر غريباً في الوقت الذي تتنافسان فيه بشراسة على امتلاك التفوق في هذه التكنولوجيا، لكن هذا هو منطق سباق التكنولوجيا؛ الدولة لا تستطيع أن تتوقف عن تطوير التكنولوجيا لأنها تخشى استخدامها من خصمها، وفي الوقت نفسه لا تستطيع أن تترك التكنولوجيا بلا ضوابط وأخلاقيات.
لا أحد ينكر أن تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت مهمة بشكل كبير في كل مناحي الحياة، ومنْ يتأخر عن استخدامها سيصل إلى ما يشبه الأمية التقنية، لأن الذكاء الاصطناعي يختصر الوقت والجهد والمال ويساعد أيضاً على ترتيب الأفكار، والوصول إلى المعلومات، وتحليل كميات هائلة من البيانات في وقت لا يستطيع الإنسان أن يعملها في وقت وجيز، إلا أن استخداماته العسكرية من دون ضوابط تهدد العالم.
ووفق ما نقلته «رويترز» فإن واشنطن تريد بحث التعاون في مراقبة الهجمات السيبرانية التي يقودها الذكاء الاصطناعي مع بكين، وطرح فكرة تعاون مختبرات الذكاء الاصطناعي في البلدين لمراقبة بعض المخاطر وتبادل المعلومات بشأنها، وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ملفاً اقتصادياً أو تكنولوجياً فقط، بل أصبح ملفاً أمنياً بامتياز.
الدكتورة إلكي شوارتز باحثة ومحاضرة في جامعة الملكة ماري في لندن قدمت أبحاثاً عدة وكتباً حول استخدامات الأسلحة للذكاء الاصطناعي، وهي لا تناقش الذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد أداة عسكرية أكثر دقة، وإنما تبحث في تأثيره على مفهوم المسؤولية الأخلاقية نفسها، وأشارت إلى مشكلة سمتها «الانحياز للأتمتة»، وهي الثقة في قرار الآلة من دون الرجوع للإنسان ويجعله أكثر اعتماداً على توصية الآلة، بما قد يضعف قدرته على ممارسة الحكم الأخلاقي وتحمل المسؤولية عن قرار استخدام القوة، ولذلك ترى أن التحدي الحقيقي ليس جعل الآلة أكثر استقلالاً، بل ضمان بقاء الإنسان صاحب السيطرة والمسؤولية الأخلاقية عن القرارات التي تتعلق بالحياة والموت.
لذلك فإن قضية استخدام الذكاء الاصطناعي ليست قضية تقنية، بل أصبحت قضية أمنية وسياسية وقانونية، إذ تبحث واشنطن وبكين هذا الملف، ليس لأنه تقني فقط، بل لأنه أصبح ملفاً أمنياً يمس كل العالم ويهدد استقراره، ولا يقل خطورة عن القنابل والرؤوس النووية.
