سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

أشعار زوربا

استمع إلى المقالة

من يتغير، نحن أم الشعر؟ أحد أعمق الأجوبة عن السؤال التاريخي أورده اليوناني نيكوس كازانتزاكيس، صاحب «زوربا». كان الفرنسي مالارميه شاعره المفضل، لكنه ذات يوم بدأ يقرأه كالعادة فذهل لما شعر به. كتب يقول: «قرأت ببطء وعلى غير هدى. أغلقت الكتاب، ثم فتحته من جديد، وأخيراً رميته جانباً. للمرة الأولى في حياتي بدا لي كل ما فيه بلا دم، بلا رائحة، خالياً من أي جوهر إنساني. كلمات زرقاء شاحبة، جوفاء، معلقة في الفراغ. ماء صافٍ مقطر تماماً، لا جراثيم فيه، ولكن لا مواد مغذية فيه أيضاً، بلا حياة.

فتحت الكتاب من جديد وبدأت أقرأ. لماذا أسرتني هذه القصائد طوال سنوات كثيرة؟ الشعر خالص! لقد تحولت الحياة إلى لعبة صافية شفافة، لا تثقلها حتى قطرة دم واحدة.

كل تلك الأشياء التي كانت تسحرني في السابق، بدت لي هذا الصباح مجرد ألعاب بهلوانية ذهنية وثرثرة عقلية. هكذا يحدث دائماً عند أفول حضارة. هكذا ينتهي قلق الإنسان: يستحضر ببراعة الشعر الخالص والموسيقى الخالصة والفكر الخالص.

لقد أفرغ الإنسان الأخير نفسه، لا مزيد من البذور ولا مزيد من النشوة ولا مزيد من الدم. تحول كل شيء إلى كلمات، وكل مجموعة من الكلمات إلى ألعاب موسيقية. ويمضي الإنسان الأخير أبعد من ذلك: يجلس في عزلته المطلقة ويحول الموسيقى إلى معادلات رياضية صامتة.

شعرت بفرح عميق. هكذا، فكرت، يرى أصحاب الرؤى والشعراء كل شيء كأنهم يرونه للمرة الأولى. ففي كل صباح يرون عالماً جديداً أمام أعينهم.

كان الكون بالنسبة إلى زوربا كما كان بالنسبة إلى البشر الأوائل على الأرض، رؤية عظيمة كثيفة. كانت النجوم تنساب فوقه، وكانت أمواج البحر تتكسر على صدغيه. عاش الأرض والماء والحيوانات من دون تدخل العقل وتشويهه.

إنه يوم الأحد اليوم، وليس لدي ما أفعله. أنا في ضيعتي وأفكر فيك. الشمس مثل أتون. ولا قطرة مطر. هنا، عندما يهطل المطر في نيسان وأيار وحزيران (أبريل ومايو ويونيو)، يكون طوفاناً مطلقاً.

أنا وحدي. وأحب ذلك. هناك عدد كبير من اليونانيين الرديئين هنا - وهل هناك مكان لا توجد فيه هذه الحشرات؟ - لكنني لا أريد الاختلاط بهم. إنهم يثيرون اشمئزازي.

والأسوأ من ذلك أنهم أصحاب حانات ومقاهٍ - فليأخذهم الشيطان! - أنت أرسلت إلينا جذامك، وثرثرتك البائسة. هذا ما يدمر اليونان: السياسة! وهناك لعب الورق أيضاً، بالطبع، والجهل، وخطايا الجسد».