غسان شربل
كاتب وصحافي لبناني. رئيس تحرير «الشرق الأوسط» منذ 2016. ترأس تحرير صحيفة «الحياة» ومجلة «الوسط» سابقاً. بدأ عمله في صحيفة «النهار» محرراً ثم معلقاً في قسم الشؤون العربية والدولية، وانتقل إلى وكالة الصحافة الفرنسية، ومنها إلى صحيفة «الشرق الأوسط».
TT

شبه هزيمة وشبه انتصار

استمع إلى المقالة

هل صحيح أن المنطقة عالقة بعد ستة أشهر من المواجهة في معادلة شبه هزيمة وشبه انتصار، وأن شبه الهزيمة لا يكفي لتجرع السم وشبه الانتصار لا يكفي لفرض الاستسلام؟ وأن ترمب لا يستطيع إعادة الأساطيل من دون انتصار، وأن مجتبى خامنئي لا يستطيع السير باتفاق يهز صورة النظام ويقلم أظافره الإقليمية؟

لا غرابة أن يتحدث جنرالات «الحرس الثوري» عن قدر من الانتصار. قطعت الهجمات الأميركية - الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب رأس النظام. قتلت المرشد علي خامنئي ومسؤولين وجنرالات وعلماء، لكن النظام استوعب الضربة وظل حياً ورد على الهجمات. اختارت إيران إغلاق مضيق هرمز، واستهداف دول الجوار. حاولت الإمساك بخناق الاقتصاد العالمي لإثارة أزمة غير مسبوقة على أمل أن يؤدي ذلك إلى وقف الحرب سريعاً. لم تبلغ الأزمة الحد الذي تمناه النظام الإيراني. وها هو العالم يشهد قدراً من التراجع في أهمية ورقة هرمز. الإغلاق ليس محكماً والمنطقة شرعت جدياً في البحث عن شيء من البدائل.

إذا كان يمكن الحديث عن شبه انتصار لمجرد بقاء النظام الإيراني، فإن طهران لم تستطع أن تلحق بالقوات الأميركية ما ألحقته بمنشآتها ومصانعها وبنيتها العسكرية. لم تستطع مثلاً إغراق سفينة أميركية، أو تكبيد الجيش الأميركي خسائر جدية في الأرواح. لم تستطع أيضاً منع الطيران الحربي الإسرائيلي من السيطرة على أجواء طهران والتجول بحرية فيها. ويقول الخبراء إن الضربات العسكرية أدت إلى تأخير البرنامج النووي، وإن إيران ستحتاج إلى سنوات للتغلب على آثار الحرب.

هناك من يتحدث عن شبه خسارة أميركية أو شبه هزيمة لأن النظام الإيراني لم يسقط، وتمكن من حرف الأنظار من المنشآت النووية إلى مضيق هرمز. لكن الأيام الأخيرة أظهرت أن أميركا تملك ورقة أخرى لاستكمال الحرب، وهي ورقة خنق الاقتصاد الإيراني. صحيح أن عملية الخنق تحتاج إلى تعاون دول كثيرة، لكن الصحيح أيضاً هو أنه سيكون صعباً على دول عدة خسارة علاقاتها الاقتصادية مع أميركا من أجل إنقاذ علاقاتها مع إيران. طبعاً للموضوع الصيني خصوصية معقدة في هذا السياق. يضاف إلى ذلك أن ترمب الذي كان يستعجل الخروج من الحرب أظهر قدرة على الانتظار رغم اقتراب موعد الانتخابات النصفية. طبعاً ترمب يتحدث عن انتصار حاسم، ويذكّر بما حلّ بسلاحي البحر والجو الإيرانيين، ويكرّر أنه أفسد لعبة إيران في مضيق هرمز.

في إسرائيل يقول معارضو بنيامين نتنياهو إنه مُني بخسارة لأنه لم ينجح في إسقاط النظام الإيراني. في المقابل، يتحدث أنصار نتنياهو عن انتصار يجب استكماله، لافتين إلى ما حلّ بـ«حماس» و«حزب الله»، وتقدم الحديث عن نزع سلاح الفريقين في غزة ولبنان.

ضباب كثيف يُخيّم على مسرح الصراع. لا الانتصارات كافية لفرض الاستسلام على الخصم. ولا الهزائم كافية لفرض حسابات واقعية. ترمب لا يقبل بحل لا يسمح بالحديث عن انتصار. ومجتبى خامنئي لا يستطيع القبول بحل يكتب بحبر الهزيمة.

هكذا بدت المواجهة مفتوحة على فصل جديد مختلف عما ساد في الشهور الستة الأولى. اختار ترمب شنّ حرب اقتصادية كبرى على الاقتصاد الإيراني، مراهناً أن نتائجها قد تحقق ما لم تحققه الضربات العسكرية. وواضح أن الغرض هو إضعاف النظام الإيراني وموقع المتشددين فيه؛ كي يأتي إلى طاولة المفاوضات بلغة أخرى ومطالب أقل.

حين تتعرض دولة ما لهجوم عسكري من الخارج تستيقظ المشاعر الوطنية وتسهم في تغطية الخلافات الداخلية. يشعر المعارضون بالحرج ويبتعدون عن اعتبار الهجوم فرصة لهم. الحرب الاقتصادية مختلفة. في الحرب العسكرية هاجمت أميركا وكذلك إسرائيل منشآت نووية ورادارات ومقرات لـ«الحرس الثوري» ومجمعات صناعية. وردت إيران بقصف أهداف أميركية في المنطقة، وأهداف في دول الجوار، وأغلقت مضيق هرمز. مواجهة الهجوم العسكري شأن يقع على عاتق العسكريين. وفي هذا النوع من المواجهات يمكن تغطية الخسائر بشعارات الصمود والاستعداد للاستشهاد.

الحرب الاقتصادية مختلفة. إنها تدفع الحرب إلى بيوت المواطنين. إلى أعمالهم وقيمة رواتبهم وخبزهم وموائدهم وأسعار الطاقة والسلع. في الحرب العسكرية يستطيع «الحرس الثوري» التلويح بإغراق المنطقة في الفوضى والاضطراب. يستطيع إطلاق الصواريخ والمسيّرات ولو بأعذار غير مقنعة. في الحرب الاقتصادية لا يملك جنرالات «الحرس» لا القوة ولا السطوة. لا يستطيع جنرالات «الحرس» لجم تدهور الريال الإيراني إذا تكشف الاقتصاد متهالكاً. ولا يستطيعون لجم الأسعار إذا ارتفعت أسعار الطاقة أو تراجعت السلع المعروضة. الحرب العسكرية تطرح أسئلة على العسكريين. الحرب الاقتصادية تطرح أسئلة على الأب والأم والعامل والمدرس والتلميذ.

ربما لهذا السبب تدخّل المرشد للمطالبة بعدم الحديث عن السلبيات، محذراً من إضعاف الشعور الوطني والتماسك الاجتماعي. يعرف المرشد وطأة التدهور الاقتصادي. لا الترسانة الصاروخية توقفه ولا النفخ في جمر الثورة. يعرف أيضاً أن السير نحو انهيار اقتصادي واسع قد يفتح الباب لنزول الإيرانيين إلى الشارع رغم ذكريات القمع الدموي الذي أجهض سابقاً أكثر من احتجاج. ورغم كلام المرشد وجد الرئيس مسعود بزشكيان نفسه مضطراً لكشف بعض ملامح الصورة، وبينها أن الحصار الأميركي أدى إلى انخفاض الصادرات والواردات بمعدل 35 في المائة. وقدّمت مشاهد الطوابير أمام محطات الوقود دليلاً على ما ينتظر إيران من الحرب الاقتصادية. والسؤال هو هل يمكن أن تهرب إيران من الاختناق الاقتصادي إلى التصعيد العسكري مباشرة أو بالواسطة؟

أخطر ما في الأزمة أنها مفتوحة ومرشحة لمراكمة مزيد من الأضرار الهائلة لطرفيها ودول المنطقة والعالم. لا بد من الانتظار لمعرفة ما إذا كانت الحرب الاقتصادية ستغير معادلة شبه هزيمة وشبه انتصار.