هدى الحسيني
صحافية وكاتبة لبنانية، عملت في صحف ومجلات منها: «الأنوار»،«النهار» العربي والدولي،«الوطن العربي»،«الحوادث» و«الصياد». حاورت عدداً من الزعماء منهم: الخميني، الملك الحسن الثاني، الملك حسين والرؤساء أنور السادات، حسني مبارك، صدام حسين، جعفر نميري، ياسر عرفات وعيدي أمين. غطت حرب افغانستان، الثورة الايرانية، الحرب الليبية - التشادية، عملية الفالاشا في السودان وإثيوبيا، وحرب الخليج الاولى.
TT

مستقبل إيران تحت حكم القيادة الجماعية

استمع إلى المقالة

دخلت إيران مرحلة جديدة بعد أشهر من الحرب والاغتيالات التي استهدفت عدداً من كبار القادة العسكريين والأمنيين. ولم تقتصر نتائج هذه الضربات على إضعاف المؤسسات، بل أدت إلى تغيير داخل هرم السلطة، وفتحت الطريق أمام جيل جديد من قادة «الحرس الثوري» لتولي مواقع كانت في أيدي شخصيات مؤثرة.

حسب مصدر غربي أمني، أعادت موجة الاغتيالات تشكيل هرم القيادة الإيرانية. فقد خسرت البلاد عدداً من أصحاب الخبرة والنفوذ، واضطرت السلطات إلى تعيين بدلاء بسرعة، مع استمرار الحرب وتصاعد الضغوط. ولهذا لم تُجر عملية الانتقال وفق ترتيبات مدروسة، بل فرضتها الضرورات العسكرية والخشية من فراغ في مراكز القرار.

يأتي هذا التحول بعد مقتل المرشد السابق علي خامنئي وتولي ابنه مجتبى خامنئي منصب المرشد الأعلى. غير أن القيادة الجديدة لم تنجح في تبديد التساؤلات المتعلقة بصحة مجتبى وقدرته على ممارسة صلاحياته. تقول الرواية الرسمية إنه يدير شؤون الدولة ويتابع الملفات العسكرية والسياسية، لكن قلة ظهوره العلني وطبيعة الصور المنشورة عنه دفعتا إلى استمرار الشكوك حول وضعه الصحي ونفوذه.

لا تتعلق المسألة بصحة المرشد وحدها، بل بالسؤال الأهم: من يتخذ القرارات في طهران؟ فالنظام الإيراني يقوم رسمياً على مركزية موقع المرشد، الذي يملك الكلمة العليا في السياسة الخارجية والأمن والدفاع والبرنامج النووي. لكن محدودية قدرته على العمل تعني أن جزءاً من هذه الصلاحيات قد ينتقل، بصورة معلنة أو غير معلنة، إلى مجموعة من القادة العسكريين والأمنيين.

ويشير المصدر الغربي إلى أن «الحرس الثوري» أصبح أكثر حضوراً في إدارة البلاد، بعدما لم يعد دوره مقتصراً على حماية النظام أو قيادة العمليات العسكرية. فـ«الحرس» يشارك في تحديد الأولويات السياسية، وإدارة الحرب، وضبط الجبهة الداخلية ومراقبة مؤسسات الدولة. كما أن نفوذه الاقتصادي يمنحه قدرة إضافية على التحكم في الموارد، خلال فترة تعاني فيها إيران أزمات مالية وارتفاعاً كبيراً في الأسعار.

الجيل الجديد الذي صعد داخل «الحرس الثوري» يختلف عن الجيل القديم في بعض الجوانب. فالقادة السابقون اكتسبوا مكانتهم خلال الحرب الإيرانية-العراقية، ثم بنوا شبكات واسعة من العلاقات داخل الدولة وخارجها. أما القادة الجدد فقد نشأ نفوذ كثير منهم من خلال العمل في أجهزة الاستخبارات والأمن الداخلي وبرامج الصواريخ والمسيّرات، بالإضافة إلى إدارة العمليات المرتبطة بالجماعات الحليفة لإيران.

يبدو هؤلاء أكثر ارتباطاً بالعمل الأمني المباشر، وأقل اعتماداً على التوازنات التقليدية داخل النظام. لكن صعودهم السريع لا يعني بالضرورة أنهم يمتلكون الخبرة السياسية التي كانت لدى من سبقهم. لذلك تواجه القيادة الجديدة اختباراً صعباً: عليها مواصلة الحرب وحماية النظام، وفي الوقت نفسه منع التنافس بين المؤسسات والأجهزة التي تحاول ملء الفراغ الذي تركه غياب الشخصيات القديمة.

تدرك طهران أن كشف تفاصيل توزيع السلطة قد يظهر النظام في صورة مرتبكة، لذلك تلتزم قدراً كبيراً من الغموض. ولا تعلن السلطات بوضوح من يحضر الاجتماعات الحساسة، أو يوافق على العمليات العسكرية، أو يقرر حدود التفاوض مع الولايات المتحدة والدول الوسيطة. قد يكون هذا الصمت محاولة متعمدة لإخفاء نقاط الضعف ومنع الخصوم من معرفة الأشخاص الذين يشكلون مركز القرار الجديد.

غير أن الغموض يحمل أخطاراً أيضاً. ففي أوقات الحرب، تحتاج المؤسسات العسكرية إلى تسلسل واضح للأوامر، كما يحتاج الوسطاء إلى معرفة الجهة القادرة على تقديم التزامات وتنفيذها. وإذا كانت السلطة موزعة بين المرشد والقادة العسكريين والأمنيين فقد يصبح اتخاذ القرار أكثر تعقيداً، وقد تظهر خلافات حول قبول وقف إطلاق النار أو مواصلة المواجهة.

أما الرئيس والحكومة والمؤسسات المدنية فيبدو أن دورهم أصبح أضعف أمام ازدياد نفوذ الأجهزة الأمنية. فالحكومة مطالبة بمعالجة الاقتصاد والخدمات وتأمين الرواتب واحتواء استياء المواطنين، لكنها لا تملك وحدها تحديد مسار الحرب أو السياسة الخارجية. وكلما طال القتال ازدادت سلطة المؤسسة العسكرية على حساب المؤسسات المنتخبة، خصوصاً عندما تبرر السلطات القيود الداخلية بالحاجة إلى حماية البلاد.

ولا يعني تضرر القيادة القديمة أن النظام الإيراني بات على وشك السقوط. فقد أظهر خلال أزمات سابقة قدرة على استبدال مسؤوليه والمحافظة على تماسك مؤسساته. لكن الوضع الراهن أكثر خطورة، لأن الخسائر طالت مستويات عليا في وقت قصير، في حين يواجه النظام حرباً خارجية وضغوطاً اقتصادية واحتجاجات داخلية وتساؤلات حول شرعية القيادة الجديدة.

من هنا، فإن إيران لا تشهد مجرد تبديل أسماء، بل تشهد انتقالاً تدريجياً نحو قيادة أكثر عسكرية وأمنية. وقد يؤدي ذلك إلى تشدد أكبر في الداخل والخارج، لأن القادة الصاعدين يرون بقاء النظام مرتبطاً بالردع والقوة والسيطرة. لكنه قد يدفعهم أيضاً إلى الحذر، بعدما أظهرت الاغتيالات أن مواقعهم وشبكاتهم ليست بعيدة عن الاختراق.

خلاصة الأمر أن الاغتيالات لم تسقط النظام الإيراني، لكنها غيّرت طريقة إدارته. فقد تراجع نفوذ القيادات القديمة، وانتقلت سلطة أكبر إلى «الحرس الثوري» ومجموعة من المسؤولين الأمنيين والعسكريين الذين يتولون إدارة الحرب وحماية النظام. وفي المقابل، بقي دور المرشد مجتبى خامنئي غير واضح بسبب التساؤلات حول صحته وقدرته على ممارسة صلاحياته.

لذلك تبدو إيران اليوم محكومة بقيادة جماعية غير معلنة، يقف «الحرس الثوري» في قلبها، في حين يحتفظ مجتبى خامنئي بالموقع الرسمي الأعلى. وقد تساعد هذه الصيغة النظام على تجاوز المرحلة الحالية، لكنها تحمل خطر نشوء خلافات داخلية إذا طال أمد الحرب أو ازدادت الأزمة الاقتصادية. وما سيحدد مستقبل البلاد ليس اسم المرشد وحده، بل قدرة القيادة الجديدة على البقاء موحدة، وإدارة الحرب، واحتواء غضب الإيرانيين في الداخل.