المجتمعاتُ مثل البشر، تحتاج إلى حمايةِ رأسها من احتمالات السقوط وارتجاج المخ، خصوصاً عندما تسير بسرعة في اتجاه المستقبل. وكلما زادت السرعة، زادت الحاجة إلى وسائل الحماية؛ فهناك مطباتٌ وعوائقُ ومنعطفاتٌ مفاجئة. والسؤال ليس كيف نوقف المركبةَ، بل كيف نحمي من فيها إذا اهتزَّ الطريق أو وقع الاصطدام.
وحين تمرُّ بعضُ المجتمعات في بضعة عقود بما مرّت به أوروبا في قرون، يصبح احتمالُ الارتجاج الاجتماعي مفهوماً. فالتغير قد يكون أسرعَ من قدرة الوعي على استيعابه، والواقع الجديد يصل أحياناً قبل أن تكتمل الأدوات النفسية والاجتماعية والثقافية اللازمة للتعامل معه.
السؤال إذن ليس: كيف نوقف التَّغير؟ فهذا مستحيلٌ، وغيرُ مرغوب فيه أصلاً. السؤال الأهم هو: ما الخوذةُ التي تحمي رأس المجتمع أثناء الاندفاع نحو المستقبل؟
هذه الخوذة هي ما يمكن تسميته البنية التحتية الاجتماعية للتحديث: المؤسسات والفضاءات والممارسات التي تقف بين سرعة التحول وبين الفرد، فتخفف الصدمة، وتترجم الجديد، وتمنح الناسَ وقتاً ولغةً وطريقةً للعيش معه. في التجربة الأوروبية، وعلى اختلاف مساراتها، امتد الانتقال من المجتمع التقليدي إلى الحداثة عبر أزمنة طويلة. أمَّا في مجتمعات مثل السعودية، فقد انضغط التاريخُ في عقود قليلة. ما قبل الحداثة والحداثة وما بعدها يمكن أن تجتمع تحت سقف بيت واحد. وفي جيلين أو ثلاثة تغيّر البيت والشارع، ومكانة المرأة، والعلاقة بين الأجيال، وأنماط العمل والترفيه، وصورة الإنسان عن نفسه. هذه ليست مجرد عملية تحديث؛ إنها تسارع في الزمن الاجتماعي.
ومشكلة السرعة أنَّ أجزاء المجتمع لا تصل إلى المستقبل في الوقت نفسه. التكنولوجيا قد تتغير في شهور، بينما أنماط السلطة داخل الأسرة، ومفاهيم المكانة والهوية، وما يعده الناس طبيعياً أو مقبولاً، تتحرك بإيقاع أبطأ. هنا تنشأ الفجوة: يرى الإنسان عالماً جديداً أمامه، لكنه يدخل إليه بأدوات نفسية واجتماعية صُنعت في عالم سابق.
يمكن فهم هذه الفجوة، باختصار، من خلال مفهوم بيير بورديو عن «الهابيتوس»: ذلك المخزون المتراكم من العادات والاستعدادات والتوقعات الذي نتعلم به كيف نتصرف دون أن نفكر في كل خطوة. المشكلة أن الهابيتوس يتكون ببطء، فيما قد يتغير العالم بسرعة. وعندما تتباعد السرعتان، يشعر الفرد بأن قواعد اللعبة التي تربى عليها لم تعد تطابق الملعب الذي يقف فيه.
لكن الناس لا يعيدون تشكيل هذا المخزون بالمواعظ والقرارات وحدها. هنا تساعدنا أعمال إرفنغ جوفمان وميشيل دي سارتو على فهم دور الحياة اليومية. عند جوفمان، يتعلم الإنسان المجتمع في آلاف المواقف الصغيرة: في الجامعة، والعمل، والمطعم، والشارع، والمسرح، وطريقة تقديم نفسه للآخرين وقراءة إشاراتهم. الجديد يصبح أقل صدمة عندما يتحول إلى ممارسة متكررة.
أما دي سارتو فيذكرنا بأن الناس لا يتلقون التغيير بصورة سلبية؛ فهم يعيدون استخدام الفضاءات الجديدة بطريقتهم، ويمنحونها معانيهم الخاصة. لا يكتمل التحديث عند افتتاح مسرح أو سينما أو حديقة عامة، بل عندما يدخل الناس هذه الأماكن ويحولونها إلى جزء من حياتهم.
من هنا تأتي أهمية الثقافة والترفيه. فهما ليسا زينة تلحق بالتنمية بعد اكتمالها، بل من أهم معامل التكيف معها. الرواية والمسرح والسينما والموسيقى تتيح للناس أن يروا أدواراً وحيوات مختلفة، وأن يختبروا الجديد في الخيال قبل أن يواجهوه في الواقع. والحفلات والمهرجانات والرياضة والفضاءات العامة تفعل شيئاً أبسط وأعمق: تجعل غير المألوف مألوفاً.
وهذه هي النقطة التي كثيراً ما تغيب عن نقاشات التحديث: المجتمعات لا تتغير فقط لأنها اقتنعت بأفكار جديدة، بل لأنها اعتادت عليها. الاعتياد نفسه آلية اجتماعية لإعادة تشكيل الإنسان.
وحين تغيب هذه الوسائط، أو تكون أضعف من سرعة التحول، قد يتحول الارتجاج إلى قلق، والقلق إلى بحث عن يقين صلب. هنا يصبح التطرف أحد الأعراض الممكنة. فالآيديولوجيا المتطرفة تقدم عالماً بسيطاً: نحن وهم، نقاء وفساد، حلال وحرام. وهي لا تبيع أفكاراً فقط؛ بل تبيع إحساساً بالثبات في عالم يتحرك بسرعة.
لذلك لا ينبغي قياس نجاح التحديث بما نراه من طرق ومبانٍ ومشروعات وحدها. السؤال الأعمق هو: هل تنمو معها البنية النفسية والاجتماعية والثقافية التي تسمح للناس باستيعاب هذه السرعة؟
وعندما يتحول التطرف إلى عنف تصبح المقاربة الأمنية ضرورية، لكن الوقاية تبدأ قبل ذلك بكثير: ببناء الخوذة قبل وقوع الحادث.
فالسؤال الحقيقي ليس فقط: كيف نمنع المتطرف من التطرف؟
بل: كيف نجعل المجتمع قادراً على تلقي صدمات المستقبل دون أن يصاب بالارتجاج؟
فالمستقبل لا ينتظر أحداً. والفارق بين مجتمع يصل إليه واقفاً وآخر يصل إليه مصاباً بالدوار، قد يكون أن الأول لم يبنِ الطريق إلى المستقبل فقط، بل بنى أيضاً الإنسان القادر على السير فيه بثقة دون أن تتعثر قدماه عند أول حجر عثرة.
