زيد بن كمي
نائب المدير العام لقناتي «العربية» و«الحدث». تولى منصب نائب رئيس تحرير «الشرق الأوسط» التي عمل بها لنحو 20 عاماً. وعمل محاضراً غير متفرغ للإعلام في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. وهو حاصل على بكالوريوس الصحافة من جامعة الملك سعود والماجستير من جامعة كيل البريطانية.
TT

أزمة اتفاق أم أزمة ثقة لصناعة السلام

استمع إلى المقالة

تعاني منطقة الشرق الأوسط من مشكلات مستمرة لا تنتهي، وتلك المعاناة ليست في نقص الاتفاقيات، بل في نقص الثقة، فالمنطقة شهدت خلال العقود الماضية عشرات الاتفاقيات ومئات جولات التفاوض، لكن معظمها انهار قبل أن يجف الحبر الذي كتبت به، والسبب أن تلك الاتفاقيات لم تصمد بقوة البنود المكتوبة، وإنما غاب عنها التزام الأطراف بها.

ومع كثرة الاتفاقيات المبرمة وخطابات حسن النيات في المنطقة، نجد أن هناك شخصيتين تصدرتا سجل عدم الالتزام ببنود ما وقعتاه، هما بنيامين نتنياهو والراحل علي خامنئي، صحيح أن المرشد الإيراني قُتل في الضربة الأميركية - الإسرائيلية في فبراير (شباط) الماضي، إلا أن ورثته يبدو أنهم ما زالوا يمارسون النهج والتكتيك نفسيهما.

والتاريخ يقدم إجابات أكثر وضوحاً من التصريحات، فعندما وصل نتنياهو إلى رئاسة الحكومة عام 1996، ورث اتفاقيات أوسلو التي عارضها منذ البداية، وسرعان ما أبطأ تنفيذها، ليسارع الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون إلى إحياء الاتفاق بعد فترة من الجمود، ويوقع نتنياهو بروتوكول الخليل مع ياسر عرفات في يناير (كانون الثاني) 1997، لكنه سارع إلى تفسير بند «المواقع العسكرية المحددة» بشكل أحادي، يسمح لإسرائيل بتقرير ما يعدّ موقعاً عسكرياً، ليتجنب تنفيذ الاتفاق.

وبعد عشرين شهراً من الجمود، وقف نتنياهو وعرفات في البيت الأبيض مرة أخرى في أكتوبر (تشرين الأول) 1998 لتوقيع مذكرة «واي ريفر» برعاية بيل كلينتون، غير أن تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي أشار منذ الأيام الأولى إلى أن الاتفاق يواجه مخاطر جدية، لتنتهي العملية السياسية فعلياً مطلع عام 1999 بعد أن عرقل نتنياهو تنفيذ المذكرة.

وفي عام 2009 أعلن نتنياهو، في خطاب بار إيلان، قبوله المبدئي بقيام دولة فلسطينية بعد ضغوط أميركية، ووافق على تجميد الاستيطان، إلا أن التجميد جاء مثقلاً بثغرات استثنت القدس الشرقية وسمحت بمواصلة البناء في مشروعات سبق ترخيصها، فبدا التزاماً على الورق أكثر منه تغييراً في السلوك على الأرض، واليوم يتكرر المشهد في غزة، فبعد اتفاقيات وقف إطلاق النار وإطلاق المحتجزين عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023، تحولت التسوية إلى هدنة مؤقتة، وبقي سكان غزة من دون أفق حقيقي لحل الأزمة.

أما على الجانب الإيراني، فسجلُ خامنئي مع الاتفاقيات لا يقل دلالة، فمنذ قيام الثورة الإيرانية، عملت طهران على زعزعة أمن واستقرار المنطقة، لا سيما السعودية، لتُقطع العلاقات بين الرياض وطهران، ومع نهاية عام 1997 شهدت العلاقات بعض الانفراج والزيارات المتبادلة، ثم وقعت الاتفاقية الأمنية عام 2001، إلا أنها بقيت حبراً على ورق، فبعد توقيعها استضافت إيران قيادات في تنظيم «القاعدة»، مثل سيف العدل، الذي قاد التنظيم خلال حملته الإرهابية ضد السعودية منذ عام 2003، كما دعمت طهران جماعة الحوثي في اليمن التي تستهدف السعودية منذ عام 2009، إضافة إلى دعم الميليشيات المسلحة في العراق ولبنان وسوريا.

وفي خضم اضطرابات عام 2011، سارعت طهران إلى دعم الجماعات المسلحة بالسلاح والتمويل لاستهداف أمن عدد من الدول العربية، وفي مقدمتها السعودية ودول الخليج، وفي يناير 2016، قطعت العلاقات السعودية - الإيرانية بعد اقتحام إيرانيين السفارة السعودية في طهران وإحراقها.

وحتى اتفاق بكين عام 2023، الذي أعاد العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، لم يوقف هذا النمط، فبعد الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على طهران مطلع العام الحالي، تعرضت السعودية ودول الخليج لآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم أنها لم تكن طرفاً في الحرب، وهذا الأسبوع أعلنت وزارة الدفاع السعودية تدمير طائرات مسيّرة عدة أطلقتها ميليشيات عراقية مدعومة من إيران من داخل الأراضي العراقية، واستهدفت منشآت نفطية في المنطقة الشرقية، ما دفع الرياض، بالتنسيق مع واشنطن، إلى تنفيذ ضربات مشتركة على مواقع تلك الميليشيات داخل العراق، وهو حق مشروع في الدفاع عن النفس بموجب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة.

والمفارقة أن نتنياهو نفسه يطالب المجتمع الدولي بألّا يثق في أي تعهدات إيرانية، ويؤكد أن التجارب السابقة تفرض رقابة صارمة على أي اتفاق مستقبلي، وهو مطلب مشروع لا يمكن الاعتراض عليه لأن الثقة في العلاقات الدولية تبنى على السلوك المتراكم لا على النيات.

لكن المبدأ نفسه يجب أن يطبق على الجميع، فإذا كان التاريخ هو معيار الثقة، فإن سجل أي قائد سياسي يصبح جزءاً من تقييم الاتفاق الذي يوقعه، لذلك، فإن بناء الثقة لا يتحقق بالبيانات السياسية أو باستئناف العلاقات الدبلوماسية وحده، بل بتغيير السلوك على الأرض، وهو ما لم يحدث بعد، ويبقى السؤال هل ورثة علي خامنئي سيبقون على النهج نفسه أو هنالك تغير في السلوك لأن الحقيقة الأكثر وضوحاً في الشرق الأوسط اليوم ليست غياب الاتفاقيات، بل غياب الثقة بمَن يوقعها.