غوتام موكوندا
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

الذكاء الاصطناعي... الجمع بين الإنسان والآلة

استمع إلى المقالة

اليوم، ثمة مسؤولية مزدوجة تقع على عاتق القادة: إعادة تشكيل هويات موظفيهم لتتناسب مع طريقة العمل الجديدة، مع الحرص في الوقت ذاته على الحفاظ على مهاراتهم القديمة، للاستعانة بها في اللحظات التي تتعطل فيها الآلات.

كان كارل ماركس، عالم الاقتصاد الذي عاش في القرن الـ19، أول من لفت إلى تهديد الذكاء الاصطناعي للحافز المعنوي لدى الإنسان. ربما تكون قد سمعت عنه (نعم، أنا أقتبس من ماركس، بشكل إيجابي، داخل منبر رأسمالي). وبمجرد التخلص من كل الهراء المتضمن في آرائه (عمل ضخم بالتأكيد)، ستبقى لدى ماركس فكرة واحدة غاية في الأهمية، أطلق عليها اسم «الاغتراب»، وتدور حول أن التصنيع فصل العمال عن نتاج عملهم، وأن هذا يحول العمل من تعبير مُرضٍ عن إرادة العامل وإبداعه، إلى عمل لا معنى له.

وعادةً ما يشير الأشخاص، الذين يجادلون بأن الذكاء الاصطناعي لن يترك أثراً كارثياً على سوق العمل، وعن حق، إلى أنه في حين أنه بمقدور الذكاء الاصطناعي الاضطلاع بأجزاء من كثير من الوظائف، فإنه يظل عاجزاً، حتى الآن عن الاضطلاع بجميع مهام أي وظيفة تقريباً. ومع ذلك، وحتى لو ظل ذلك صحيحاً، فإن أتمتة أجزاء كبيرة من وظيفتك يمكن أن تخلق بداخلك شعوراً عميقاً بالاغتراب.

إلا أن هذا ليس أمراً حتمياً؛ فالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في الاضطلاع بالوظائف، قد تفضي إلى إفراغها من مضمونها، وترك الناس يراقبون آلة تتولى تنفيذ الجزء المثير من العمل، أو يمكن أن تعزز تمكين الأفراد عبر إلغاء الحاجة إلى الاضطلاع بالأعمال الشاقة، وتحرير العمال للتركيز على الأجزاء البشرية الفريدة من وظائفهم، التي لا يمكن لأحد سواهم إنجازها، وتحسين الأداء العام. أما مسألة أي الاتجاهين ستسير فيه الأمور، فلا تتعلق بالتكنولوجيا؛ بل ستتحدد بناءً على من يمتلك الآلات، وكيف يقرر قادة المؤسسات تشكيل هويات الأشخاص الذين يتولون العمل.

وبالفعل، خضنا تجربة لهذا التحول في مجال الطيران. اليوم، أنت في خطر أكبر عندما تقود سيارتك إلى المطار مقارنة بكونك على متن طائرة، ويعود السبب في ذلك إلى حد كبير، إلى أن معظم مهام قيادة تلك الطائرة أصبح الآن يجري بواسطة أجهزة الكمبيوتر. ورغم أنه لا يزال هناك طيارون في المقدمة، فإن الجمع بين الإنسان والآلة يؤدي المهمة الأهم للطيار: إتمام رحلة آمنة، بشكل أفضل مما يمكن لأي منهما أن يفعله بمفرده.

ولا يعني ذلك أن الطيارين لم يشعروا بالاغتراب عندما بدأت أجهزة الكمبيوتر تحل محلهم، فيما يخص الاضطلاع ببعض مهامهم. وفي ورقة بحثية صدرت عام 1983 بعنوان «مفارقات الأتمتة»، وصفت عالمة النفس الإدراكي ليزان باينبريدج، كيف أن أتمتة الأجزاء الروتينية من العمل، قد تترك للبشر الأجزاء الأصعب وملل التحديق في الشاشة، في حين أن المهارات التي سيحتاجونها في أوقات الأزمات تتلاشى جراء عدم استخدامها. كلما كانت الآلة أفضل، قلّت ممارسة الشخص، وبالتالي تراجع مستوى استعداده عندما تتعطل الآلة.

ولا يثير ذلك القلق من الناحية النظرية؛ عام 2009، دخلت طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الفرنسية، كانت في طريقها من ريو دي جانيرو إلى باريس، في قلب عاصفة هوجاء، وتجمدت مستشعرات سرعة الطيران، وأسقط الطيار الآلي زمام التحكم في أيدي طيارَين لم يسبق لهما تقريباً أن طارا بطائرة نفاثة يدوياً على ارتفاع عالٍ. وتوقفت الحماية، التي تجعل من المستحيل عادةً أن تتوقف طائرة «إيرباص» عن الطيران، بسبب هذا العطل، وسارع الطاقم المذعور إلى إيقافها على أي حال. وهوت الطائرة لمدة ثلاث دقائق ونصف دقيقة باتجاه مياه المحيط الأطلسي، وكان من الممكن إنقاذها طوال فترة هبوطها. وانتهى الأمر بمقتل جميع الركاب البالغ عددهم 228 شخصاً.

من جهته، طالب مختصون بالنظر فيما إذا كانت الأتمتة المتقدمة تجعل من الصعب على الطيارين «التدخل بسرعة كبيرة والتصرف بفاعلية كبيرة عندما تسوء الأمور» ـ مهارة تبين أن أفراد طاقم طائرة الخطوط الجوية الفرنسية، قد سُمح لهم بفقدانها.

ليس من قبيل الصدفة أن يكون كتاب «العصا والدفة» لولفغانغ لانغويشه، أحد كتب الطيران المرجعية. وحتى يومنا هذا، يرى معظم الطيارين أن التحكم في الطائرة بيديك هو ما يعنيه أن تكون طياراً. وعندما يسلب الكمبيوتر ذلك منك في معظم الأوقات، يصبح من السهل للغاية أن تتلاشى مهاراتك.

وعليه، فإن هذا النصف الأول من المهمة التي تواجه القادة في عصر الذكاء الاصطناعي. كان لا بد أن يتحول الطيار من «شخص موهوب في التعامل مع عصا التحكم والدفة»، إلى «شخص ينقل ركابه بأمان إلى وجهتهم، باستخدام كل الأدوات المتاحة». لا أحد يتخلَّى عن هويته من تلقاء نفسه، وإنما استغرق الأمر سنوات من شركات الطيران في إعادة التدريب المتعمد لترسيخ الهوية الجديدة. الحقيقة أنه لا يمكن للأتمتة أن تبعدك عن وظيفتك، إذا كنت ترى وظيفتك على هذا النحو.

إلا أن المشكلة لا تقتصر على ذلك؛ فهذه الأدوات ليست كليّة المعرفة - على الأقل ليس بعد؛ فإذا كنت مجرد مدير لأنظمة الكمبيوتر، فسوف تنسى كيفية استخدام عصا التحكم ودفة القيادة، أو ما يعادل ذلك في وظيفتك. وبما أن هذه الأنظمة تميل إلى الأداء الممتاز في الظروف العادية، وتفشل في الظروف القاسية، فإن تلك المهارات لن تكون مفيدة إلا في اللحظات الحرجة.

جدير بالذكر أن دليل الطيران يأتي مع ملصق تحذيري. وقد احتفظ الطيارون بمقاعدهم، لأسباب منها أن القانون يقتضي أن يجلس شخص ما فيها. اليوم، لا توجد إدارة طيران فيدرالية للعمل المعرفي. إذا احتفظ موظفوك بالمهارات التي جعلتها الآلات اختيارية، فسيكون ذلك لأنك قررت أنه ينبغي لهم ذلك.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»