مسؤول عربي كبير سابق كان كلما سألوه عن الفساد في بلاده، رد بما معناه أن الفساد موجود في كل مكان! ورغم أن إجابته كانت صحيحة في مجملها، فإنها كانت في جانب منها تبدو وكأنها تبرير منه للفساد في بلده. كان كلما رد بهذه الطريقة علّق كثيرون على رده بما معناه أيضاً، أن العبرة في الفساد الموجود في كل مكان هي بحجمه، واختلاف هذا الحجم من بلد أوربي مثلاً إلى بلد عربي، ثم هي بمدى الجدية في مطاردته ومساءلة الأطراف المتورطة فيه.
ولا بد أنك سوف تستحضر حديث المسؤول العربي الكبير السابق، وأنت تتابع حديث الفساد في أرض العراق، فلا تكاد تصدق ما تطالعه عما تشهده بلاد الرافدين بهذا الشأن.
ومن بين ما لا تكاد تصدقه، أن يقول رئيس وزراء العراق علي الزيدي، إن طرفاً من الأطراف عرض عليه 200 مليون دولار في مقابل إغلاق ملف إحدى قضايا الفساد في وزارة البترول!
ذكر الرجل هذا في لقاء له مع الصحافة بعد مجيئه إلى منصبه بساعات، ومن هول ما قرأت يومها، فإنني رُحت أعيد قراءة الخبر لأتيقن من أن ما أقرأه صحيح، وقد هالني ساعتها أن أتبين أن ما أطالعه صحيح، وأنه منشور على الملأ، وأنه على لسان رئيس وزراء العراق شخصياً، وأن المبلغ المذكور صحيح تماماً، وأنه عبارة عن رقم 2 وأمامه ثمانية أصفار!
تتساءل بينك وبين نفسك: هل وصل النهم في المال الحرام إلى هذا الحد؟ وهل بلغت البجاحة لدى الفاسدين في عاصمة الرشيد إلى درجة لا يجدون معها أي حرج في عرض رشوة على دولة الرئيس بشخصه؟ وهل وصل حجم السرقات إلى مدى يتلقى معه الرجل عرضاً بهذا الرقم بكل الأصفار التي نجدها أمامه؟
إن الفاسد الذي يعرض 200 مليون دولار على سبيل الرشوة، لا بد أن يكون قد سرق أضعاف أضعافها، ولا بد أن يكون أصل المبلغ المسروق من الأرقام التي توضع أمامها تسعة أصفار، أي أنه ينتسب إلى مرتبة المليارات، لا مجرد الملايين، ولا مئات الملايين!
وإذا كان الأستاذ غسان شربل، رئيس التحرير، قد ذكر في مقدمة حواره المنشور صباح أول من أمس على صفحات هذه الجريدة مع الزيدي، أنه قد أشفق على رئيس الوزراء يوم جرى ترشيحه لمنصبه الحالي، فالحقيقة أن هذا بالضبط كان شعوري تجاه الرجل يوم قرأت اسمه للمرة الأولى مرشحاً لرئاسة الحكومة.
ذلك أن الرئيس علي الزيدي رجل مال وأعمال، وهو كما نفهم مما ذكره الإعلام عنه يوم ترشيحه، صاحب اسم كبير في دنيا المال والأعمال، وبالتالي، فهو ليس في حاجة إلى شيء من رئاسة الحكومة. فالمال عنده، وما عدا المال من الوجاهة وكل ألوان الحياة الرغدة يتكفل بها المال، ولا حاجة له إلى مال أو غير مال يحصل عليه من رئاسة الحكومة، اللهم إلا «وجع الدماغ» الناشئ بطبيعته عن تولي المواقع العامة في أرض العرب!
ومع ذلك، فالرجل أقبل على منصبه غير عابئ بما يمكن أن يجده في انتظاره من أصناف وجع الدماغ، وقد كان في مقدوره أن يخفي نبأ تلقيه عرضاً برشوة غير مسبوقة في حجمها، ولكنه أبى إلا أن يعلن القصة على الناس، وأبى إلا أن تكون «الرسالة» من الإعلان عنها، أنه لا يرفضها وفقط، ولكنه يذهب إلى توقيف الذين بلغ بهم الفساد مدىً وجدوا معه من الجرأة ما يجعلهم يعرضون رشوة على رئيس الحكومة ذات نفسه!
وهو قد بدا راغباً منذ اليوم الأول في التعامل مع ملفين هما الأخطر في أرض العراق من دون منافس: الفساد، والسلاح في يد الميليشيات!
أي رجل هذا الذي يحمل أقداره على يديه هكذا، ثم يقرر أن يخوض هذا الغمار؟ أما الفساد، فلقد تابعنا حملة اعتقالاته التي أغلقت المنطقة الخضراء في العاصمة ذات ليلة، واقتادت بعضاً من رؤوس الفساد إلى يد العدالة، وكأن شعارها ما كان الحجاج بن يوسف الثقفي قد قاله في العراق حين هتف ذات يوم: أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها. كان مشهد الحملة مخيفاً، فالدبابات راحت تحاصر المنطقة وتغلقها، وأفراد البوليس المدججون بالسلاح كانوا كمن يحاصرون قلاعاً محصنة، ولا غرابة، فالذين يعرضون رشوة بالرقم المشار إليه، لا بد أنهم يعيشون في بروج مشيدة، ولا بد أنهم جاهزون للدفاع عن مسروقاتهم كدفاعهم عن الحياة نفسها.
وأما السلاح في يد الميليشيات، فلقد أنذرها الرجل منذ يومه الأول، وكان تقديره الذي لا يختلف حوله اثنان، أن السلاح لا يجوز أن يكون في غير يد الدولة، وأن على كل جماعة تحمل السلاح أن تبادر إلى تسليمه للحكومة.
وقد بادر التيار الصدري فأعلن تسليم سلاحه، ودمج ذراعه العسكرية المسماة «سرايا السلام» في القوات الحكومية، وكان ذلك من بوادر الأمل في أرض العراق، ومن بعد ذلك سارت «كتائب الإمام علي» في الطريق نفسه الذي سار فيه التيار الصدري. وليس أمام بقية الجماعات والتيارات إلا أن تسلك السبيل ذاته، وقد أعطاهم الزيدي مهلة تنتهي في الثلاثين من سبتمبر (أيلول) المقبل، ومن بعدها سوف يكون لكل حادث حديث.
يوصف مثل علي الزيدي في مثل موقفه، بأنه قد وضع يده في عش الدبابير، وبكل ما يمكن أن تتعرض له اليد وصاحبها، ولكن الرجل لا يبالي ولا يهتم، وسوف يوفقه الله في مهمته التي ندب نفسه لها على قدر إخلاصه فيها.
