د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

الانتماء والمواطنة في عصر الهجرة الدولية

شهد العالم خلال السنين الأخيرة تحولات عميقة غيّرت مفهوم المواطنة وحدود الانتماء السياسي والقانوني. فقد أدت عوامل متعددة على رأسها العولمة، والثورة التكنولوجية، وتطور وسائل الاتصال والنقل، إلى جعل التنقل البشري ظاهرة عالمية غير مسبوقة. ومع انهيار عديد من الحواجز السياسية والآيديولوجية التي كانت تقيد حركة الأفراد، أصبح حق الهجرة أكثر حضوراً في الوعي الإنساني، غير أن هذا الانفتاح لم يصاحبه التجاوب المنشود عند الحكومات الغربية، مما خلق مفارقة جديدة بين الحق في المغادرة والحق في الدخول.

لقد ارتبط مفهوم المواطنة تاريخياً بالدولة القومية، حيث كان المواطن يتمتع بحقوقه ويمارس واجباته في حدود الدولة التي يحمل جنسيتها. غير أن ازدياد الهجرات الدولية أفرز أوضاعاً جديدة لم تعد تتوافق مع هذا المنحى التقليدي، لأن هناك اليوم الملايين من الأشخاص الذين يعيشون خارج أوطانهم الأصلية، ويشاركون في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول المضيفة، من دون أن يتمتعوا دائماً بكامل حقوق المواطنة. كما ظهرت فئات جديدة من السكان يصعب إدراجها ضمن التصنيفات القانونية التقليدية، مثل المهاجرين غير النظاميين، وعديمي الجنسية، واللاجئين، والنازحين بسبب التغيرات المناخية.

ولا غرو في أن تؤدي هاته التحولات إلى التساؤل عن مدى قدرة الدولة القومية على احتكار تعريف المواطنة في عالم أصبح أكثر ترابطاً؛ فالعولمة لم يكن من نتائجها فقط انتقال السلع ورؤوس الأموال والمعلومات، بل أدت أيضاً إلى بروز أشكال جديدة من الانتماء تتجاوز الحدود الوطنية؛ وأصبح الفرد قادراً على الاحتفاظ بروابط متعددة مع أكثر من دولة ومجتمع في آن واحد، الأمر الذي خلق مفهوم «المواطنة العابرة للحدود».

وتُعد التجربة الأوروبية من أبرز النماذج التي تعكس هذا التطور؛ فقد أدى إنشاء المواطنة الأوروبية إلى فصل جزئي بين الجنسية والمواطنة، حيث أصبح بإمكان مواطني دول الاتحاد الأوروبي المقيمين في دولة عضو أخرى المشاركة في الانتخابات المحلية من دون الحاجة إلى الحصول على جنسية البلد المضيف. كما منحت بعض الدول الأوروبية حقوقاً سياسية محلية للمقيمين الأجانب، مما أسهم في توسيع مفهوم المواطنة ليشمل المشاركة الفعلية في الحياة العامة، وليس فقط الانتماء القانوني للدولة.

ولا ننسى أيضاً أن هاته التحولات أسهمت في إبراز مفهوم المواطنة المتعددة الثقافات، خصوصاً في دول مثل كندا وأستراليا، حيث أصبحت الهجرة جزءاً من الهوية الوطنية ذاتها. ففي هذه المجتمعات لم يعد التنوع الثقافي يُنظر إليه على أنه تهديد للوحدة الوطنية، بل بوصفه مصدراً للثراء الحضاري والتجديد الاجتماعي. ومع ذلك، فإن هذا النموذج يواجه اليوم تحديات متزايدة في ظل صعود الأحزاب الشعبوية والتيارات القومية المتشددة التي تدعو إلى إعادة الاعتبار للهوية الوطنية «المغلقة».

وفي هذا السياق، برزت الجنسية المزدوجة بوصفها إحدى الآليات التي مكّنت ملايين الأفراد من التوفيق بين انتماءاتهم المختلفة.

وتبقى قضية اللاجئين تحدياً للنظام الدولي المعاصر. فاللاجئ يوجد خارج إطار العلاقة التقليدية بين المواطن والدولة، ويعتمد في حمايته على القانون الدولي والمؤسسات الأممية. وقد كشفت الأزمات الإنسانية المتتالية، وبخاصة منذ سنة 2015، عن الحاجة الملحة إلى تطوير آليات أكثر عدالة وفاعلية لضمان حقوق الأشخاص الفارين من الحروب.

كما تطرح التغيرات المناخية تحديات جديدة تتمثل في ازدياد أعداد النازحين البيئيين الذين يضطرون إلى مغادرة مناطقهم بسبب الفيضانات والجفاف وارتفاع مستوى البحار. ورغم اتساع هذه الظاهرة، فإن القانون الدولي لا يزال عاجزاً عن توفير إطار قانوني واضح يحمي هذه الفئة المتنامية من البشر، ونحاول في إطار كرسي الأمم المتحدة لتحالف الحضارات الذي لنا شرف ترؤسه، الإسهام في إثراء النقاش الدولي حول هذه الإشكالية من خلال تشجيع البحث العلمي، والدعوة إلى بلورة مقاربات قانونية وإنسانية جديدة تضمن الكرامة والحقوق الأساسية للنازحين البيئيين. كما نسعى إلى تعزيز الوعي بضرورة إدماج البعد المناخي في سياسات الهجرة والتنمية المستدامة، بما يرسخ مبادئ التضامن الدولي والمسؤولية المشتركة في مواجهة أحد أكبر التحديات التي ستواجه الإنسانية خلال العقود المقبلة. ومن هذا المنطلق، فإن معالجة ظاهرة النزوح البيئي لم تعد مجرد مسألة إنسانية أو بيئية فحسب، بل أصبحت قضية حضارية وأخلاقية.

إن التغيرات الدولية الراهنة تؤكد أن المواطنة لم تعد مفهوماً ثابتاً مرتبطاً بالدولة القومية، بل أصبحت مفهوماً متغيراً يتأثر بحركة الأفراد وتطور المجتمعات وتنامي التداخل بين المحلي والقُطري والعالمي. ومن ثم فإن التحدي الأساسي اليوم يتمثل في إيجاد توازن بين سيادة الدول وحقوق الإنسان، وبين متطلبات الأمن واحترام الكرامة الإنسانية، بما يضمن بناء مواطنة أكثر شمولاً وعدالة في عالم يتجه باستمرار نحو مزيد من التنقل والتعددية والانفتاح.