لطفي فؤاد نعمان
عضو مجلس الشورى اليمني، كاتب صحافي وباحث سياسي يمني، عمل مستشاراً إعلامياً لرئيس مجلس الشورى اليمني. يكتب في الصحف اليمنية والعربية وله إصدارات عدة في شؤون السياسة والتاريخ اليمني المعاصر.
TT

مونديال آخر

استمع إلى المقالة

الحرب مونديال من نوع آخر. يحرز المتحاربون أهدافهم في مواقيت مباغتة، ويتبادلون الضربات بأساليب مواتية.

في البدء تُقطف رؤوس، تُكسر سيقان، ويُستبدل لاعبون، ثم يجري التفاوض على «الديات» أو التعويضات، وأخيراً التوقيع على ما جرى التفاهم المبدئي عليه.

ولأن مباريات الحرب تدور من دون حَكَمٍ مباشر، يتفاوت الحُكمُ عليها من متفرجٍ لآخر؛ وما أسهل الحكمَ والحربَ واللعبَ على المتفرجين، مثلما يسهل على كل طرف أو لاعب أو متلاعب أن يعلن انتصاره الرائع، واستحقاق كأس النصر. بينما يبقى طرفٌ يردد: «لا أريد لهذي (الحرب) أن تنتهي».

خلال مونديال الحرب الأميركية الإسرائيلية - الإيرانية، أو رحلة تفاوض تبدأ بحرب، اعتدنا على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب وما يعقبها من نفي وتوضيحات إيرانية، وظلت تحضرنا قصيدة الراحل محمود درويش «سيناريو جاهز»، وفيها:

«كل ما صار لي هو لي

وما لك

هو لي

ولك!»

وأيضاً:

«قال لي: هل تفاوضني الآن؟

قلت: على أي شيء تفاوضني الآن

في هذه الحفرة القبر؟

قال: على حصتي وعلى حصتك

من سدانا ومن قبرنا المشترك»

أما «وقد شذ المصيرُ عن القاعدة» فيُنهي درويش «السيناريو الجاهز» بما ينتهي إليه متابعو ومراقبو هذا المونديال على ملاعب وفي آفاق الشرق الأوسط، بأنه «وعلى شاعرٍ آخر أن يتابعَ هذا السيناريو... إلى آخرِه».

بمتابعة ما أعقب توقيع مذكرة تفاهم إسلام آباد، يوم 18 يونيو (حزيران) 2026 في قصر فرساي بفرنسا، وطهران وإسلام آباد، سرعان ما يتضح أن إعلان وقف القتال لا يرقى لدرجة الاهتمام الواسع بسيناريو ما بعد وقف القتال، وما قد يُفضي إليه من اتفاقٍ سيتم إبرامه أواخر أغسطس (آب) المقبل، هذا إذا لم تؤخَّره مفاجآت غير متوقعة من أطراف أو نجوم مونديال الحرب!

من أقرب المفاجآت ما شهده لبنان، أكثر ساحات حروب الآخرين اشتعالاً، الذي نصَّ أول بنود المذكرة على وقف الاقتتال والهجمات فيه، فما كاد يجف حبر التوقيع حتى سالت الدماء وهُدمت مبانٍ تؤوي عناصر «حزب الله»، بأوامر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «المسؤول عن مصلحة إسرائيل الأمنية» رغم دعوات حليفه الوحيد ترمب إلى «التعقل والتصرف بحكمة» لئلا يؤثر على التفاهم المنتظر.

أول بنود مذكرة تفاهم إسلام آباد، عن أهم ملعب حربي وهو لبنان، كان موضع أول خرق إسرائيلي. فهل نتوقع أن نتابع مفاجآت واشنطن أو طهران، بعدما زعزعت الأخيرة ثقة جيرانها الأقربين على ضفاف الخليج، الذين يحرصون على إحلال السلام الدائم وصون السيادة والاستقرار؟

وبمراجعة ما لم تتضمنه مذكرة إسلام آباد، وهو اليمن رغم تأثر «أوضاعه وارتباطه بشكل وثيق بما يجري من تطورات جيوسياسية وسط المنطقة» -حسب الإحاطة رقم 40 للمبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، أمام مجلس الأمن، 18 يونيو (حزيران) الحالي عن استمرار مساعي #السلام_لليمن- لكن غيابه هذا لا يدعو للحسرة والأسى. فلم يتم بعد التفاهم بين اليمنيين أولاً.

لليمن سيناريو آخر، في موعد مونديال آخر... ربما!