د. عبد الحق عزوزي
أكاديمي مغربي متخصص في العلوم السياسية والقانون
TT

جامع القرويين: جذور تاريخية وإشعاع حضاري

استمع إلى المقالة

وجد المؤرخون في جدران جامع القرويين، هذه المؤسسة العظيمة، وفي كراسيها العلمية، ومرافقها العديدة الدالة، وما مر بها من رجال، وما شاهدته من أحداث، وما مر بها من ظروف وصروف، وجدوا في كل ذلك فصولاً تختصر ترجمة السيدة فاطمة أم البنين التي بنته عام 245هـ 859م؛ ويكفي أن نذكر أن ابن أبي زرع في كتابه «الأنيس المطرب بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس» خصص حديثاً طويلاً للحديث عن هذا الجامع، وصفته، وما زيد فيه في كل زمان، منذ أن أُسِّس إلى وقت تأليف الكتاب عام ستة وعشرين وسبعمائة. وعلى هذا النحو أيضاً خصص أبو الحسن علي الجزنائي فصلاً مسهباً من كتابه «جنى زهرة الآس في بناء مدينة فاس» للحديث عن جامع القرويين بما يشتمل عليه من أثاث فريد من نوعه اكتسبه على مدى السنين، مما كان مصداقاً للعبارة الصغيرة والعظيمة في الوقت ذاته التي قالها ابن خلدون وهو يسجل مبادرة السيدة أم البنين، إذ قال: «فكأنما نبهت عزائم الملوك من بعدها».

ولا جرم أن الفتح الإسلامي قد امتاز من بين الفتوحات الأخرى بأنه جاء يحمل «كتاباً»، ولذلك نرى أن التعليم كان في صدر ما يهتم به الإسلام، ولما كان المسجد هو المركز الوحيد لتجمع المؤمنين فقد كان بالذات هو المدرسة الأولى، وبهذا نستطيع أن نقول، إن مسجد قباء بالمدينة المنورة كان أول معاهد التعليم في المشرق، وإن المدرسة الأولى بالشمال الأفريقي كانت في القيروان، وتبعت كلاً من الأول والثاني، مساجد انتشرت هنا وهناك مثل جامع الزيتونة بتونس، وجامع القرويين بالمغرب، وجامع الأزهر بمصر، إلخ... بيد أن هذه المساجد لم تظل باستمرار مراكز للتعليم، ففيها ما انتهت الدراسة فيه منذ وقت مبكر، وفيها ما انقطعت منه ردحاً من الزمان، لكن جامع القرويين بفاس يختص بأنه شيد في مدينة وضع حجرها الأساسي لا برسم أن تكون بلداً تجارياً، أو مدينة صناعية، ولكن ليكون «دار علم وفقه»؛ كما أن العلماء والفقهاء هم الذين كانوا يشرفون على بنائه منذ اليوم الأول؛ ثم إن الدراسة فيه استمرت بصفة مطردة منذ الفترات الأولى، ولم تتفكك حلقاته العلمية حتى في الأعوام التي كانت تتم فيها أعمال الترميم والبناء، وحتى عندما اتخذت دولة المرابطين عاصمتهم مدينة مراكش سنة 462ﻫ (1170م) ظل جامع القرويين مركز «إشعاع علمي» وظل قضاة «العاصمة الجديدة» يبعثون بأبنائهم للتزود من أفاويق لبان القرويين، الأمر الذي لم تتخلَ عنه أيضاً الأصقاع الجنوبية، ومدن الجهات الشمالية.

ومن بين كبار علماء القرويين الذين استمتعت بمعرفتهم وزمالتهم المرحوم عبد الهادي التازي الذي يلخص لوحدة قدرة الجامعة في تكوين أجيال من المحققين الكبار والعلماء الأكفاء ورجالات الدولة الغيورين؛ فهو أول من نجح في فوج الشهادة العالمية من جامعة القرويين عام 1947؛ وأول من نجح في مباراة التدريس بالجامعة المذكورة عام 1948؛ وأول من نال دبلوم الدراسات العليا من كلية الآداب والعلوم الإنسانية (جامعة محمد الخامس) 28 فبراير (شباط) 1963؛ وأول من ألَّفَ ثلاثة مجلدات عن جامع القرويين 1972؛ وأول من ألَّفَ حول التاريخ الدبلوماسي للمغرب من أقدم العصور إلى اليوم 15 مجلداً 1986؛ وأول من اكتشف على الصعيد العالمي خللاً في ترتيب رحلة ابن بطوطة 2004 التي ترجمت إلى عشرات اللغات؛ وأول من حبس مكتبته الخاصة على خزانة جامعة القرويين عام 2006.

كتب عنه أحد تلامذته بالمدرسة المولوية وقد حل أستاذاً لمادة الفكر الإسلامي بالمدرسة سنة 1978 أنه «كان يحمل شيئاً فريداً عبر زاده الأكاديمي، وعبر قوامه الثقافي والفكري، كان يحمل تجربة ثرية في العمل الدبلوماسي، كان قد أتى تواً من العراق حيث شغل منصب سفير هناك مرتين اثنتين تخللتهما سفارته في ليبيا... وكان أن زاوج في دروسه معرفته الأكاديمية مع تجربته الميدانية... وكان يحلو لنا أن نردد معه تلك المحفوظات التي نظمها المغاربة لتعلم اللغات الأجنبية. أذكر منها ما يخطر على بالي عفو الذاكرة:

كلمة الصباح عندهــــــــــــم «بونجور»، ولفظة الدوام عندهم «توجور»، الرأس «طيط» والأنف «ني»، والعنق «كو»،

وفي التعبير عن كثير قل «بوكو».

وماذا يعني كل هذا؟ أفلا يعني أن المغاربة أرادوا أن يعلموا ما لدى الآخر من معارف، وأن يتعلموا لذلك لغته وفق أسلوب متواضع حوله: النظم... مثلما يتعلمون ألفية ابن مالك، وفقه ابن عاشر نظماً... وقد لا تشاطرهم أسلوبهم ذاك، ولكن أليس في ذلك آية من رغبة المغاربة في الانفتاح ومعرفة الآخر؟