في زمن تتسارع فيه التحولات الحضرية، وتتنافس المدن على صياغة أدوارها في عالم متغير، تبرز المدينة المنورة - مهد الإسلام، ومهاجر النبي (صلى الله عليه وسلم)، ومثواه - بوصفها تجربة تنموية فريدة تعيد صياغة العلاقة بين العراقة الثقافية والتنافسية العمرانية لمدن المستقبل، محافظةً على قداسة المكان وعمق التاريخ، وماضيةً في تطوير خدماتها بما يواكب جودة الحياة واستحقاقات المدن الحديثة.
فالمدينة التي ارتبط اسمها عبر القرون بمكانتها الدينية، اختارت في سياق «رؤية السعودية 2030»، بدعم وتمكين حكومة خادم الحرمين الشريفين وولي العهد ومتابعة أمير المنطقة الأمير سلمان بن سلطان، أن تجعل من روحانيتها مصدر إلهام للتنمية، ومن هويتها التاريخية أساساً لبناء مستقبل مستدام لا ينفصل عن الجذور التي تلهم أكثر من مليار ونصف المليار مسلم حول العالم.
إن المدينة المنورة، التي تستقبل ملايين الزوار سنوياً من مختلف أنحاء المعمورة، لم تكتفِ بدورها بوصفها وجهة دينية، بل عملت على تطوير نموذج حضري يدمج بين صون الإرث وتفعيله، وبين الارتقاء بتجربة الزائر وتعزيز جودة حياة السكان. وقد شكّل الإرث التاريخي الكبير، بما يزيد على ثلاثة آلاف موقع موثق في سجل التراث العمراني، فرصةً ومسؤولية في آنٍ واحد؛ إذ لم يكن التحدي في وفرة المواقع، بل في كيفية دمجها ضمن نسيج حضري معاصر يمنحها حياة متجددة، ويجعلها جزءاً من تجربة متكاملة تليق بمكانتها وتستجيب لأعلى معايير المدن الحديثة.
ومن هذا المنطلق، شهدت المدينة مشاريع نوعية أعادت الاعتبار للمواقع التاريخية وربطتها في سردية مكانية متكاملة؛ من توسعة مسجد قباء وتطوير محيطه، إلى تأهيل الآبار والمزارع والمساجد المرتبطة بالسيرة النبوية، وصولاً إلى تطوير مواقع بدر وأحد والخندق، ومشروع «درب الهجرة - على خطاه». ولم يعد التراث أثراً ساكناً، بل أصبح مورداً معرفياً وثقافياً حياً يثري الحاضر ويعمّق الوعي بالإرث والتاريخ.
وفي موازاة ذلك، مضت المدينة في تبني حلول ذكية تعزز كفاءة الخدمات وتحسّن التجربة الحضرية، فكان تقدمها في مؤشر IMD للمدن الذكية انعكاساً لمسار تطويري متكامل. وأصبحت المنصات الرقمية والخدمات المتعددة اللغات أدوات فاعلة لتمكين الزائر وتيسير رحلته، بما في ذلك دليل تجارب المدينة المنورة، مما يعكس فهماً حديثاً لدور التقنية في تعزيز الثقافة وتحسين مستوى الخدمة.
لقد انتقلت المدينة من منطق المواقع المتفرقة إلى مفهوم المتحف الحضري المفتوح، حيث ترتبط المسارات التاريخية في شبكة متصلة تتيح للزائر أن يعيش التجربة لا أن يمر بها عابراً. كما أُعيد تأهيل الأودية والمساحات الطبيعية لتكون فضاءات عامة تجمع بين البعد البيئي والاجتماعي والثقافي، ضمن برنامج شامل للأنسنة وتحسين المشهد الحضري وتوسيع المسطحات الخضراء.
وإلى جانب إحياء التراث المادي، برزت أنوية ثقافية معاصرة تعكس حيوية المدينة وقدرتها على إنتاج المعرفة. فالمراكز الحضارية والمتاحف التفاعلية ومشاريع المحاكاة التاريخية، إلى جانب الشراكات بين القطاعين العام والخاص، أسهمت في تحويل السرد التاريخي إلى تجربة تعليمية حية. ويأتي مجمع الملك عبد العزيز للمكتبات الوقفية بما يضمه من كنوز معرفية ومخطوطات نادرة ليجسد عمق المدينة العلمي، فيما يعمل مركز الأمير محمد بن سلمان العالمي للخط على صون جماليات الحرف العربي بوصفه أحد أبرز تجليات الهوية.
ولم تغب الفنون والآداب عن هذا المسار، إذ باتت المعارض الأدبية وبرامج الفنون المعاصرة والمبادرات الثقافية الحديثة منصات تعبّر من خلالها المدينة عن ذاتها بلغة يفهمها الجيل الجديد. حتى المطبخ المدني أصبح جزءاً من السردية الثقافية، ينقل الحكاية عبر النكهات ويجسّد العلاقة الحية بين التراث والحياة اليومية.
وقد انعكس هذا التكامل بين الثقافة والسياحة على مؤشرات الأداء، حيث شهدت المدينة نمواً ملحوظاً في أعداد الزوار ومتوسط مدة الإقامة، بالتوازي مع توسع قطاع الضيافة وتطوير منظومة النقل العام. غير أن هذه القفزة لم تأتِ على حساب سكان المدينة، بل انطلقت من مفهوم «المدينة المتوازنة» التي تضع الإنسان في قلب المعادلة، وهو ما تؤكده مؤشرات الرضا المتصاعدة.
إن ما تشهده المدينة المنورة اليوم ليس مشروع تطوير عابر، بل مسار متكامل يرسّخ موقعها في طليعة المدن ذات الإرث الثقافي التي تمضي بثبات نحو مدن المستقبل. إنها تجربة تؤكد أن العراقة الثقافية ليست عنصراً تكميلياً في خطط التنمية، بل حجر الأساس الذي يمنحها المعنى والاستدامة.
ومن هنا، تضيف المدينة المنورة اليوم إلى مكانتها الدينية أبعاداً تنموية مستلهمة من قداسة المكان، لتصوغ حيوية الحاضر ونموذج المستقبل، وتقدم مثالاً عملياً على أن الهوية حين تُصان وتُفعّل تصبح رافعة للتقدم لا عائقاً أمامه.
* أمين منطقة المدينة المنورة، والرئيس التنفيذي
لهيئة تطوير المنطقة
