حتى وقت كتابة هذا المقال، كانت كفة الميزان في معادلة الحرب والسلام تميل لصالح الصدام بين الولايات المتحدة ومعها إسرائيل في مواجهة مصيرية مع إيران. وفضلاً عن المعلومات التي حصل عليها «أكسيوس» واعتمدت عليها جميع المخرجات الإعلامية فإن الشواهد كانت كلها مرجحة أنها الحرب إذن. أولاً لأنه كان هناك عرض واستعراض للقوة سواء كان ذلك في بحر العرب ومضيق هرمز أو أن لغة الخطاب سادت فيها مفردات اللحظة الفاصلة. وثانياً أن اللحظة باتت مرجحة لفشل المفاوضات الأميركية - الإيرانية في جنيف رغم التنازلات التي قدمتها طهران في تخصيب اليورانيوم بحيث يعلق لسنوات وبعدها يكون هناك حساب يتيح ما تتيحه معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية؛ وأكثر من ذلك ما قدمته إيران من مغريات بلغت أحياناً تريليون دولار من النفط والمعادن النادرة. وثالثاً أن الاستعدادات الإيرانية كانت موحية بالاستعداد لحرب من خلال التحصينات والاستعداد العسكري؛ وما يقابله من استعدادات إسرائيلية للحرب؛ وما أبدته الولايات المتحدة من استعداد لحملة عسكرية تمتد لبضعة أسابيع وليس 12 يوماً كما حدث في حرب يونيو (حزيران) الماضي.
توازن القوى بين الولايات المتحدة وإسرائيل في جانب وإيران من جانب آخر كان يميل إلى حسم الحرب مبكراً من خلال سيناريو تستخدم فيه الولايات المتحدة قواعدها البحرية في قصف وتدمير إيران بادئة بقواتها المسلحة و«الحرس الثوري» الإيراني مع معاودة الضرب على المناطق المرجح فيها وجود قواعد الصواريخ وعمليات تخصيب اليورانيوم. السيناريو على هذا النحو يبدو واضحاً، ولكن فيه الكثير من الضعف لأسباب كثيرة. أولها أن التصور الأميركي - الإسرائيلي سوف يكون أن إيران لم تتعلم شيئاً من حرب يونيو الماضي القصيرة، وأن الوضع الاستخباراتي بقي على حاله من حيث اختراق القدرات الإيرانية بشراً وحجراً والتي سوف تتعرض لضربات قال عنها ترمب إنها «قاسية». ما يجعل هذا السيناريو ممكناً ما هو متصور عن حالة كبيرة من الوهن في الجبهة الداخلية الإيرانية نتيجة حالة الاحتجاج الكبيرة ضد النظام الإيراني؛ وما ولدته حالات القهر التي حُسِبَت بالآلاف من الضحايا من كراهية ورغبات انتقامية لدى فرق إيرانية كثيرة. التعامل مع إيران على هذا النحو يغفل أمرين: أولهما أن إيران دولة عميقة الحضارة وفيها من صفات الدولة الوطنية ما يفرض نوعاً من الاصطفاف الوطني مرجحاً الطبيعة الآيديولوجية للنظام السياسي. وثانياً أن النخبة السياسية الحاكمة فيها الكثير من الصفات التي ترجح المشابهة مع الحالة الأفغانية التي وإن نجحت الولايات المتحدة في الإطاحة بحكم «طالبان» فإنها بعد عشرين عاماً عادت مرة أخرى لكي تسلمها السلطة. وثالثاً ولا بد أنه مر بالخاطر الإيراني أن الولايات المتحدة لم تكسب حرباً منذ الحرب العالمية الثانية حيث إنها أنهت الحرب الكورية على تقسيم كوريا، وفي الحرب الفيتنامية انتهى الأمر بإلحاق الجنوب الفيتنامي إلى الشمال الشيوعي بينما يهرب أعوان واشنطن من على سطح السفارة الأميركية في سايغون.
الفيصل في الحرب سوف يكون متوقفاً على مدى قدرة الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل على تكرار حرب الـ12 يوماً مرة أخرى من عدمه؛ بخاصة أنه لم يمض سوى أشهر على الواقعة بينما تُسبب انفجاراً إقليمياً تتسارع فيه التحالفات الشيعية إلى نجدة طهران ومعها قوى سنية قادمة من أفغانستان. حالة الالتهاب أو الانفجار الإقليمية سوف تخلق ضاغطاً إقليمياً كبيراً على واشنطن حيث توجد حركة «ماغا» التي تزعم جعل الولايات المتحدة عظيمة مرة أخرى، وهو ما لا يتيسر في حالة حرب تبدو كما لو كانت ستكون «حرباً أبدية». هنا فإن زمن الحرب سيكون مفتاح الاستراتيجية الإيرانية؛ ومع 92 مليون نسمة من الإيرانيين، و2 مليون كيلومتر مربع من المساحة الكلية لإيران تعطي قدرات للقيادة الإيرانية لم تتيسر لا للشيوعيين في فيتنام ولا للإسلاميين في أفغانستان. في كل الأحوال فإن إيران سوف تتعرض لاختبار قاسٍ سيعبر عن مدى قدراتها الثورية التي عاشت عليها لأكثر من 45 عاماً منذ انتصار الثورة الإيرانية مصاحبة لصناعات وامتدادات ثورية كانت فيها الصواريخ والمسيّرات الطائرة في الجو والأخرى السابحة في البحر وجميعها موجهة لحاملات الطائرات الأميركية.
الحرب القادمة لن تكون قضية الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وحلفائها وحدهم، وإنما سوف تلمس نيرانها ودخانها المنطقة الشرق أوسطية بأجمعها. محاولات مصر والسعودية وعمان وقطر وتركيا لمنع الحرب من النشوب قادت المواجهة إلى التفاوض في مسقط وجنيف؛ ولكن النتيجة لم تسلم من واقع تكون فيه إيران مكبلة بآيديولوجياتها وحلفائها، والولايات المتحدة أقرب إلى قراءة إسرائيل للأزمة.
