أماندا تاوب وخوسيه باوتيستا
خدمة «نيويورك تايمز»
TT

إسبانيا والسعي لرسم مسار مختلف لقضية الهجرة

استمع إلى المقالة

منذ سنوات، تعاني الحكومات في معظم الدول الغنية -وبعض الدول الأقل ثراءً- من معضلة تبدو عصية على الحل؛ فالمزيد من الهجرة سيعزز اقتصاداتها، ويزيد الإيرادات الضريبية، ويعوض تراجع الأيدي العاملة. ومع ذلك، ما من قضية أكثر إثارةً للجدل سياسياً من الهجرة، خصوصاً أن استقبال أعداد كبيرة من المهاجرين يخاطر بإثارة رد فعل عنيف من الناخبين وزعزعة الاستقرار السياسي بالبلاد.

النتيجة: تعمل كثير من الحكومات جاهدةً على منع المهاجرين، حتى في الوقت الذي يحث فيه محافظو المصارف المركزية والاقتصاديون على السماح بدخول المزيد.

هنا، أعلنت حكومة إسبانيا، التي تتسم بأحد أدنى معدلات الولادات في أوروبا، والمنتمية لتيار يسار الوسط أنها ستمنح مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، مساراً للحصول على وضع قانوني.

ويبدو أن الحكومة، التي أقرت هذا الإجراء بمرسوم، واثقة من أن الفوائد السياسية المترتبة عليه ستفوق أي سلبيات. ويأتي الإجراء الأخير، بناءً على نهج ليبرالي طويل الأمد تجاه الهجرة، بما في ذلك عفو صدر سابقاً عن المهاجرين غير الشرعيين. وصرح بورخا سواريز كوروخو، وزير الدولة لشؤون الضمان الاجتماعي والمعاشات في إسبانيا، بأن «الهجرة هي الطريق الوحيد إلى الأمام»، مضيفاً «من الواضح أن دمج الناس القادمين من الخارج تحدٍّ هائل، لكن إذا أردنا الحفاظ على مجتمعنا وتقدمه، فإننا نحتاج إلى أفراد لإنجاز هذا الأمر». أما بالنسبة للأحزاب المعارضة خطوة الحكومة. وأعلن «حزب الشعب»، المنتمي إلى يمين الوسط، أن السياسة الجديدة للهجرة ستُغرق الخدمات العامة.

وقال متحدث باسم حزب «فوكس» اليميني المتطرف، إن الإجراء الجديد «يهاجم هويتنا».

ومع ذلك، قد تظل مسألة تغيير السياسة مقامرة في بلد ارتفعت فيه نسبة تأييد حزب «فوكس» اليميني من 0 في المائة إلى نحو 20 في المائة في الاستطلاعات خلال العقد الماضي.

يُذكر أن إسبانيا سمحت منذ زمن طويل للمهاجرين غير الشرعيين بتسوية أوضاعهم القانونية في غضون بضع سنوات من وصولهم، إذا أثبتوا أنه أصبحت لهم جذور في المجتمع، مثل التوظيف أو الروابط العائلية أو الاجتماعية. واليوم، يمكن لمواطني كثير من دول أميركا اللاتينية السفر إلى إسبانيا دون تأشيرة، وبعضهم يبقى بشكل دائم تقريباً.

تجدر الإشارة إلى أن استطلاعات رأي أظهرت دعماً كبيراً للهجرة في العديد من الدول الغنية، حتى تلك التي تشهد صعود أحزاب يمينية متطرفة معادية للمهاجرين. ومنذ 2019، شغل المهاجرون نحو 40 في المائة من الوظائف الجديدة في إسبانيا، حسب إحصاءات الحكومة. وهناك أدلة قوية على أن المهاجرين يساهمون في اقتصاد البلاد، خصوصاً عند الحصول على الوضع القانوني. ولا يبدو أن العفو السابق أثار مخاوف كبيرة من أن المهاجرين سيسرقون وظائف العمال المحليين. وقال سياسيون يمينيون إن تقديم مسار للتجنيس أمام المهاجرين غير الشرعيين سيكون بمنزلة مكافأة لهم على خرق القانون. وتُظهر بيانات من مجموعة «مور إن كومن»، أن دعم الهجرة ينخفض عندما يعتقد الناس أن حدودهم غير آمنة.

على عكس الولايات المتحدة أو بعض دول أوروبا الجنوبية الأخرى، لدى إسبانيا أعداد منخفضة نسبياً من طالبي اللجوء الذين يعبرون الحدود البرية أو البحرية بشكل غير شرعي.

ولديها نقاط عبور محصنة بشدة في سبتة ومليلة، وهما مدينتان إسبانيتان على الساحل الشمالي الأفريقي على الحدود مع المغرب. وتموِّل إسبانيا وتجهز وتدرب المغرب ودولاً أخرى لوقف المهاجرين قبل وصولهم إلى أوروبا عبر جزر الكناري. إلى جانب ذلك، لدى إسبانيا بعض السمات الفريدة فيما يتعلق بالهجرة؛ فلديها احتياطي كبير من المهاجرين المحتملين في أميركا اللاتينية الذين يشتركون في لغتها وتراثها الديني -عامل لا يمكن لدول أخرى العثور على مثيله بسهولة. ومع ذلك، يظل السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان العفو الأخير في إسبانيا سينجح.

* خدمة «نيويورك تايمز»