لا يختلف اثنان من العارفين بالواقع السوري على أن تركة نظام الأسد ثقيلة وممتدة في كل المجالات، وتحتاج إلى كثير من الوقت، وكثير من الجهد والدأب، وإلى إمكانات متنوعة ومتعددة تفوق بكثير إمكانات السوريين، وتعجز عن تجاوزها على نحو عاجل دول أكبر وذات قدرات أكبر بكثير مما تملكه سوريا المعروفة بقدراتها وإمكاناتها المحدودة، إذا اعتبرنا أن ما يشاع حول الإمكانات السورية الكامنة ما زال في إطار الأقوال والتقديرات التي لا نعرف متى يتم تأكيدها، بل والبدء في استثمارها لتلعب دورها في تجاوز تركة نظام الأسد، وإعادة بناء سوريا.
غير أن الصعوبات التي تواجه السوريين في تجاوز تركة الأسد لا ينبغي أن تمنع بأي صورة سعيهم إلى تجاوزها، ووضعها في مقدمة اهتماماتهم، ليس من أجل تكريس نهج ومثال نقيض في بناء وتطوير بلد عمل النظام السابق بكل طاقته من أجل تدميره وقتل أهله، وهذا شيء مهم، وإنما من أجل أن يتجاوز السوريون ظروفهم، ويعيدوا تطبيع حياتهم بما يليق بهم وبتضحياتهم، وسط مؤشرات وتأكيدات على أن السوريين شعباً وحكومة موحدون في هذا التوجه وفي سعيهم وراء تحقيق أهدافه.
وحدة السوريين وحكومتهم في مساعي تجاوز تركة النظام لا تجعلهم منتظمين في نسق واحد من المسؤوليات والمهمات، بل تجعلهم أمام ثلاثة أنساق: الأول تتولاه الحكومة بحكم موقعها ودورها وإمكاناتها، وأبرز جهد فيه وضع الخطط التي تأخذ في الاعتبار الاحتياجات والإمكانات في سياق خطة وطنية شاملة ذات أبعاد راهنة ومستقبلية من جهة، وتربط بين مختلف المجالات والمستويات من جهة أخرى. والثاني، نسق تتشارك فيه الحكومة وعموم الشعب، ويتمثل في تنفيذ الخطط المطروحة من جانب الحكومة وفق مسار موضوعي، يقوم على المراقبة والتدقيق، ويقيس النجاح والفشل، ويقبل التصحيح للوصول إلى أفضل النتائج. النسق الثالث أقرب إلى أن يكون مستقلاً وحراً، باستثناء الدور المحوري لعموم السوريين من أشخاص وبنى سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في مسار تنفيذ الخطط الحكومية، فإن ثمة دوراً خاصاً ومهماً لعموم السوريين في تجاوز تركة الأسد الثقيلة، وهو نسق ومسار تغلب عليه روح المبادرة وجوهرها الرغبة في العمل وتغيير الواقع في المستويين الشخصي والعائلي اللذين غالباً ما يظهران متداخلين في واقع المجتمع السوري وعلاقاته.
لقد لعبت تطورات الصراع والحرب في سوريا دوراً سلبياً في النشاط الاقتصادي والاجتماعي في أنحاء البلاد، حيث قطعت أوصالها إلى معازل ومحميات وإقطاعات، وشردت السكان خارج بيئاتهم بعد أن دمرت قدراتهم وملكياتهم الخاصة والعامة، بل وغيبتهم بصفتهم أفراداً عن الحياة بالموت أو الاعتقال والاختفاء القسري، وأصابت كثيراً منهم بالإعاقة والعجز، ودفعت كثيرين إلى البطالة والفقر والاعتماد على الإعانات والمساعدات، وكلها ولدت نمطاً من العيش خارج السلوكيات المنتجة، مما يفرض عودة الجميع إلى العمل المنتج، لا سيما في جانبين أساسيين، طالما تميزت بهما حياة عامة السوريين وهما الزراعة والصناعة، وما يندرج في إطارهما من حرف ومهن لا تخدمهما فقط، وإنما تلبي احتياجات متعددة للمجتمع السوري.
ورغم أن صعوبات كثيرة تعيق تطور واسع في قطاعي الزراعة والصناعة على مستوى المشاريع الكبيرة نتيجة نقص التمويل وتراجع المياه ومحدودية الطاقة والخبرات، وغيرها من عوامل تجعل المشاريع الكبيرة في عهدة خطط الحكومة، فإنها تفتح باب العمل في مشاريع صغيرة في القطاعين الزراعي والصناعي/الحرفي أمام الأفراد، والعائلات التي تملك قدرات وإمكانات محدودة لكنها مرنة، تجعلها قادرة على النجاح، ليس فقط في تأمين الاحتياجات الأساسية من المنتجات الغذائية النباتية والحيوانية، وتفتح آفاق تطور في قطاع الحرف والتجارة الداخلية، بل يمكن أن توفر منتجات قابلة للتصدير، ولعب دور تنموي مهم.
وإذا كان دور الأفراد في الذهاب إلى المشاريع الصغيرة مهماً في إنجاحها، فإن النجاح يحتاج إلى جهود وبيئة مساعدة، لا سيما من جانب الحكومة، التي ينبغي أن توفر أسس نجاح تلك المشاريع من حيث تحسين البنى التحتية من طرق ومواصلات واتصالات، وتعزيز شبكات المياه والكهرباء وإقامة المجمعات التجارية، وتبسيط الإجراءات الإدارية والمصرفية وتخفيف الالتزامات المالية، كما يقع على كاهل الجماعات الأهلية والمدنية والشخصيات العامة تشجيع هذا الخط في النشاطات الاقتصادية التي لا شك أنها تفتح أفقاً مهماً في تطور سوريا لاحقاً.
لقد مر أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، شهدت فيه سوريا تطورات كثيرة ومهمة، غير أن أثرها بقي محدوداً في مواجهة تركة الأسد في الحياة السورية حيث الفقر والبطالة والغلاء والتوهان وانسداد الأفق في المدى المنظور، ولا شك أن التوجه نحو تطور أكثر إيجابية في حياة السوريين وواقع بلدهم، يبدأ من تغيير حياتهم في توفير فرص عمل وسكن وصحة وذهاب الأبناء إلى المدارس والجامعات، ولعل فتح باب المشاريع الصغيرة لا سيما الإنتاجية هو الخطوة الأهم في تغيير حياة السوريين وإخراجهم من تركة الأسد.
