د. عبد الله فيصل آل ربح
أكاديمي سعودي, أستاذ مشارك لعلم الاجتماع الديني والنظرية الاجتماعية جراند فالي الأميركية, وزميل أبحاث غير مقيم بمعهد الشرق الأوسط بواشنطن العاصمة. نشر العديد من الأبحاث المحكمة في دوريات رصينة, إضافة لنشره لعدة دراسات في مراكز الفكر بواشنطن. ومن أهم إصداراته كتاب «المملكة العربية السعودية في الصحافة الأنجلو: تغطية المملكة في القرن العشرين»
TT

ترمب وإيران... مقامرة الرَّدع في «إسطنبول»

استمع إلى المقالة

يقف الشرقُ الأوسطُ اليوم أمام لحظةٍ مفصلية يُعاد فيها رسمُ حدودِ القوة والدبلوماسية بأسلوب يجمع بينَ التهديدِ العسكري المباشر والبراغماتية التفاوضية الصارمة. فبينما تتَّجه الأنظارُ إلى اللقاء المرتقب في مدينة إسطنبول التركية بين المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف والمسؤولين الإيرانيين، تواصل الأساطيل الأميركية تحركاتها الاستراتيجية في مياه المنطقة. هذا المشهد لا يعبّر عن تناقض في الرؤية، بل هو تطبيق عملي لمنطق الصفقات الكبرى الذي يسعى من خلاله الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تحويل الصراع التاريخي اتفاقاً مؤسسياً محكوماً بنتائج مادية ملموسة تتجاوز حدود الاحتواء التقليدي.

وفي قلب هذا الحراك، تبرز مطرقة منتصف الليل كمرجعية تحليلية أساسية لفهم التحول في العقيدة العسكرية الأميركية؛ وهي العملية الجوية النوعية التي نفذتها واشنطن في يونيو (حزيران) 2025 مستهدفةً المنشآت النووية الإيرانية في فوردو ونطنز وأصفهان؛ ما أرسى سابقة لاستخدام القوة الصلبة أداةً تفاوضية مباشرة. ومن هنا، لم يعد الحديث عن استخدام القوة العسكرية مجرد احتمال نظري، بل أصبح خياراً ذا صدقية عالية في عقلية الإدارة الأميركية الحالية. التوقعات تشير إلى أنَّ احتمالية اللجوء لعمل عسكري أوسع تظلّ مرتفعة في حال تعثر مسار إسطنبول، حيث يرى ترمب أنَّ نجاح أي صفقة يتطلّب بقاء سيف القوة مسلطاً فوق طاولة المفاوضات لإجبار الخصم على تقديم تنازلات بنيوية تمسّ جوهر مشروعه الإقليمي.

إنَّ استخدام القوة في هذا السياق لا يستهدف خوض حرب استنزاف طويلة الأمد، بل يُستخدم كأداة جراحية لانتزاع تحولات في السلوك السياسي مقابل ضمانات بقاء اقتصادية. هذه المقايضة تعكس تفضيل ترمب إنهاءَ الأزمات من جذورها بدلاً من الاكتفاء باحتوائها، وهو نهج يعيد رسم خريطة التحالفات بناءً على موازين القوى الراهنة لا التحالفات التقليدية المترهلة.

إنَّنا أمام محاولة لمأسسة الرَّدع، بحيث يصبح التهديدُ العسكري جزءاً من العملية الإدارية للدبلوماسية الأميركية. ومع ذلك، يظلّ التساؤل قائماً حول مدى قدرة هذه الحسابات الرقمية والصفقات التعاقدية على الصمود أمام تعقيدات الهوية والتاريخ، التي لطالما أعادت تشكيل الشرق الأوسط بعيداً عن توقعات القوى الكبرى. فالمنطقة، رغم دخولها مرحلة الواقعية الفائقة، تظلّ محكومة بمخيال اجتماعي قادر على إنتاج مسارات غير متوقعة إذا ما اختُزلت حقوقها السياسية والوطنية في مجرد بنود لاتفاقات إدارية جافة.