فيصل أبو زكي
نائب الرئيس التنفيذي - مجموعة الاقتصاد والأعمال
TT

لماذا دخلت الإصلاحات الاقتصادية السعودية مرحلة استراتيجية متقدمة؟

استمع إلى المقالة

خلال فترة زمنية قصيرة، أطلقت السعودية حزمة إصلاحات متزامنة شملت الاستثمار الأجنبي، وسوق المال، والعقار، والقطاع المصرفي. هذا التزامن واتساع نطاق القطاعات المعنية، يمكن قراءته بوصفه انتقالاً واضحاً في فلسفة إدارة التحول الاقتصادي. فالسعودية تجاوزت مرحلة تفكيك القيود التاريخية أو فتح القطاعات لتدخل مرحلة أكثر نضجاً تركز على تعظيم الأثر الاقتصادي، ورفع كفاءة تخصيص رأس المال، وضمان استدامة النمو.

هذا التحول يعكس طبيعة المسار الذي انطلق مع «رؤية السعودية 2030»، وهو مسار تراكمي ومتدرج، وقابل للتعديل المستمر، ويتعامل مع الإصلاح بوصفه أداة دائمة لإدارة الاقتصاد في عالم سريع التغير.

الاستثمار الأجنبي جزء أصيل من المنظومة الاقتصادية

تعديل نظام الاستثمار الأجنبي الذي كرّس مبدأ المساواة بين المستثمر المحلي والأجنبي يمثل نقطة تحول مفصلية. فحين تنتقل الدولة من منطق الترخيص الخاص إلى المعاملة المتكافئة، فإنها ترسل رسالة استراتيجية مفادها أن الاستثمار الأجنبي جزء أصيل من المنظومة الاقتصادية.

انعكاس ذلك يتجاوز تدفقات رأس المال إلى خفض علاوة المخاطر التنظيمية، وتحفيز الاستثمارات طويلة الأجل، خصوصاً في القطاعات التي تراهن عليها السعودية بوصفها محركات مستقبلية للنمو، مثل التكنولوجيا، والصناعات المتقدمة، والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد العالمية والخدمات اللوجيستية والسياحة والتعدين. هذا النوع من الاستثمار لا يبحث عن مكاسب سريعة، بل عن استقرار القواعد وقابلية التنبؤ، وهو ما تسعى هذه الإصلاحات إلى ترسيخه.

تعميق السيولة وتحسين التسعير

قرار فتح السوق المالية السعودية أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب بدءاً من فبراير (شباط) 2026 سيساعد على زيادة عدد المستثمرين، والأهم من ذلك هو على إعادة تشكيل بنية السوق نفسها. فتعميق قاعدة المستثمرين يرفع مستوى السيولة، ويحسن كفاءة التسعير، ويقلل من التقلبات الحادة المرتبطة بضيق قاعدة التداول.

وهذا ما تؤكده حيازات المستثمرين الأجانب في السوق السعودية التي بلغت نحو 590 مليار ريال بنهاية الربع الثالث 2025، مقارنة بنحو 498 مليار ريال في نهاية 2024. هذا النمو يشير إلى أن السوق باتت بالفعل نقطة جذب لرأس المال العالمي، وأن خطوة الفتح الكامل تأتي لتَبْنِيَ على مسار قائم ومجرب.

أما الإشارة إلى مراجعة سقف تملك الأجانب في الشركات المدرجة، فهي تعكس فهماً أعمق لمتطلبات الاندماج في الأسواق العالمية. فبالنسبة للمستثمر المؤسسي الكبير، تعتمد جاذبية السوق على عوامل أساسية أهمها إمكانية الدخول، وحجم الملكية، والقدرة على التأثير، وسهولة الخروج. ومن هنا، فإن هذه المراجعة، حتى قبل إقرارها، تبعث بإشارة ثقة إلى المستثمرين بأن السوق السعودية تتطور وفق منطق تنافسي عالمي.

العقار ملف اقتصادي

القطاع العقاري كان ولا يزال من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد السعودي، ليس فقط بحكم حجمه، بل لتشابكه مع تكلفة المعيشة، والاستقرار الاجتماعي، والقطاع المالي. ففي عام 2024 وحده، تجاوزت قيمة الصفقات العقارية 267 مليار ريال عبر أكثر من 236 ألف صفقة، بينما بلغت قيمة الصفقات في النصف الأول من 2025 نحو 123.8 مليار ريال، استحوذ القطاع السكني على ما يقارب 63 في المائة منها.

هذه الأرقام تفسر لماذا بات العقار يُدار اليوم بوصفه ملفاً اقتصادياً كلياً أكثر من كونه قطاعياً. تسهيل تملك غير السعوديين للعقار ضمن أطر تنظيمية واضحة يهدف إلى جذب الاستثمار النوعي وتحفيز التطوير، خصوصاً في المشاريع الكبرى والمناطق الحضرية ذات القيمة المضافة العالية. لكنه في الوقت نفسه يتكامل مع نظام الأراضي البيضاء، الذي استهدف كسر منطق الاكتناز طويل الأمد داخل المدن، وتحويل الأراضي الخاملة إلى مشاريع تطوير محتملة، وزيادة المعروض في السوق، وكبح جماح الأسعار.

وقد شمل تطبيق نظام الأراضي البيضاء مئات الملايين من الأمتار المربعة، وحقق إيرادات وُجهت لدعم مشاريع الإسكان. الأهم من ذلك أن النظام أسهم في تحويل مساحات كبيرة من الأراضي الخاملة إلى معروض إضافي في السوق وإلى مشاريع قيد التطوير، ما يعزز من مرونة العرض، ويخفف الضغوط السعرية على المديين المتوسط والطويل.

المصارف وتمويل الاقتصاد الإنتاجي

في موازاة إصلاح العقار، جاء توجيه البنك المركزي السعودي للمصارف بخصوص الأصول العقارية الناتجة عن تسويات التعثر ليكمل الحلقة الإصلاحية. ويعكس إلزام البنوك بتصفية هذه الأصول خلال ثلاث سنوات، ما لم تكن لأغراض تشغيلية، فهماً دقيقاً لدور المصارف في الاقتصاد.

فوفق بيانات الاستقرار المالي، تشكل قروض التجزئة العقارية نحو 23 في المائة من إجمالي الائتمان المصرفي، ما يعني أن أي تراكم غير منضبط للأصول العقارية داخل ميزانيات البنوك قد يتحول إلى مصدر مخاطر نظامية. من هنا، فإن خطوة البنك المركزي تستهدف بشكل رئيسي إعادة توجيه السيولة نحو التمويل المنتج للقطاعات التحولية، بما يعزز النمو المستدام. ووفق أرقام الفصل الثالث من عام 2025، بلغ إجمالي القروض العقارية الممنوحة من البنوك التجارية حدود 938.4 مليار ريال سعودي كان منها 710.2 مليار في هيئة قروض سكنية للأفراد. ويقدر حجم الأصول العقارية المتعثرة في ميزانيات المصارف بحدود 7 مليارات ريال، وقد يرتفع إلى 10 مليارات عند إضافة محافظ شركات التمويل العقاري المستقلة. ولا شك أن البدء بضخ هذه الأصول إلى السوق سيساعد على زيادة المعروض وفرص التطوير واعتدال الأسعار.

إصلاح مستدام

الإصلاحات الأخيرة مهمة، كل واحد منها على حدة، لكن الرسالة الأهم التي تحملها هي في منهجية صنع القرار نفسها. فالتزامن بين إصلاح الاستثمار، وسوق المال، والعقار، والمصارف يعكس إدارة متكاملة للاقتصاد، تقوم على قراءة الترابط بين القطاعات بدل التعامل معها بوصفها جزراً منفصلة.

هذا النهج يؤكد أن الإصلاح في السعودية تجاوز مرحلة ردود الفعل على الأزمات أو محاولة امتصاص الضغوط قصيرة الأجل، ليتحول إلى استراتيجية مستدامة لإدارة اقتصاد كبير ومتنوع في بيئة عالمية متقلبة. فبدلاً من تجميد السياسات في مواجهة عدم اليقين العالمي، اختارت السعودية رفع كفاءة أسواقها من الداخل، وتعزيز مرونتها، بما يسمح لها بالتكيف مع الصدمات دون التخلي عن أهدافها الاستراتيجية.

الإصلاح بوصفه ميزة تنافسية

ما تشهده السعودية اليوم هو تحول في طبيعة الإصلاح ذاته من مشروع زمني له بداية ونهاية، إلى مسار مؤسسي دائم يُستخدم لضبط الأسواق، وتعظيم الأثر، وضمان استدامة النمو. هذه القدرة على التحديث المستمر، مع وضوح الهدف الاستراتيجي، باتت إحدى أهم مزايا الاقتصاد السعودي التنافسية.

وفي عالم يتغير بسرعة، حيث تتراجع اليقينيات وتتصاعد المخاطر، تبدو السعودية مصممة على ترسيخ نموذج إصلاحي يقوم على الانفتاح المدروس، والكفاءة، والقدرة على التكيف. إنه نموذج لا يراهن على اللحظة، بل يبني للمستقبل.

* نائب الرئيس التنفيذي، مجموعة الاقتصاد والأعمال