وصلتني على الهاتف دعوة للانضمام إلى مجموعة من الرجال والنساء يلتقون شهرياً في حديقة عامة ليضحكوا. ولم أستغرب. فمثل هذه التجمعات الغرائبية موجودة في فرنسا منذ عقود. بعضها مسجَّل قانونياً. ثم إنني من أشدِّ المؤمنين بقدرة الابتسامة على مد الجسور بين الناس. أحب الضحك ولا أعتبره من قلة أدب، حتى لو جاء بلا سبب.
لي عدد من الأصدقاء والزملاء أعرفهم من ضحكاتهم. ولو ربطوا عيني بعصابة وسمعت قهقهاتهم لوضعت اسماً على كل صوت. وهذا لا يعني أنها كلها تستهويني وتطربني. هناك من تتمنى لو تأخذ إبرة وخيطاً متيناً وتخيط فمه، أو غراء يلصق شفتيه بأسنانه، سواء ضحك أو نطق ماسخاً.
بثينة -مثلاً- لا تضحك؛ بل تزقزق. وهيام تهدل مثل الحمام. ومحمود يخنخن. وموفق يسعل ويدمع وكأنه يختنق، ويحتاج من يضرب على ظهره ليستعيد أنفاسه. وكان قصي إذا ضحك فإن هزَّة أرضية خفيفة تضرب المكان. صهيل انفجاري متتابع لا يستطيع كبحه، يصيب الآخرين بالعدوى. تضحكنا الهزة الأرضية لا النكتة.
أعيد قراءة الدعوة على هاتفي، ويتحرَّك في تلافيف رأسي ذلك المسُّ المعهود. سأُلبِّيها. تجربة جديدة تصلح للكتابة. ذهبت إلى موعد جماعة الضحك. دفعت مبلغاً بسيطاً عند الوصول. مساهمة رمزية مقابل قهوة في أكواب كرتونية. احتسينا وتبادلنا إيماءات الترحيب، وبدأت الحصة. وقفنا في حلقة دائرية تحت شجرة عملاقة، والبرد محتمل وقت الظهيرة. صاحت سيدة سمينة: «هيا نغسل قلوبنا». وأجاب الجميع بابتسامات تحولت إلى ضحكات لا تتوقف. موجة تليها موجة. رأيتهم يلتقطون أنفاسهم ثم يعودون إلى القهقهة، وفعلت مثلهم. ولم يكونوا يفتعلون؛ بل يبدو عليهم الانشراح. وحتى من قسر نفسه -مثلي- على سَحب ضحكة صفراء، فإنها سرعان ما تحولت إلى وردية وحمراء وبرتقالية، وبمبي بمبي بمبي.
ساعة من زمن مستقطع من ضجيج العاصمة، وتلوث الهواء، وتحذيرات الأطباء، وتهديدات الوعَّاظ، ومظاهرات النقابيين، وزلَّات ترمب، وصلافة نتنياهو. وتذكرت أنني تابعت في صباي فرقة هزلية مصرية كان اسمها «ساعة لقلبك». هذه ساعة لقلبي اليوم وهنا. اكتشفت فيها أن تعبير «يتلوَّى من الضحك» حقيقي، وقابل للحدوث، وليس محض صورة بلاغية.
بلا سبب؟ بل في دنيانا ألف سبب. لطالما اغتممنا وحزنَّا وبكينا ولطمنا وندبنا، ولم نحسب حساب الوقت المهدر في الكآبة. أعمار بعضنا تنقضي بين تكشيرة وتكشيرة. هل كثير على المواطن -ولا سيما العربي- أن يكون شهيقه وزفيره سبباً لراحة مسروقة من فم التنين؟
انتهت الحصة، وأتينا على ما تبقى في الأباريق من قهوة، وتصافحنا وتفرقنا. لملمت السيدة السمينة الأكواب وأخذتها إلى سلة النفايات. لم أجد من يتبادل رقم هاتف، أو يضرب موعداً جانبياً. هناك موعد جماعي بعد شهر في الساعة ذاتها والمكان نفسه.
هل سأكررها؟ لا أدري. ولكنني نمت رغداً تلك الليلة، وحلمت بصينية كنافة.
