عرفت الرياضة السعودية في السنوات العشر الأخيرة تحولاً تاريخياً، وضع حداً بين مراحل التأسيس والتجارب والاجتهادات، وبين مرحلة المستقبل القائمة على التخطيط والاستراتيجيات والعمل المؤسسي. وخلال هذه الفترة تسارعت وتيرة التطوير والبناء بدرجة يصعب على البعض مواكبتها بالسرعة المطلوبة وتلبية متطلباتها، من التخلي عن القناعات الشخصية، والتحول إلى فكر منفتح على المرحلة الجديدة، ورغبة حقيقية في إحداث الفارق على أرض الواقع.
ومع أن المرحلة الحالية تسير وفقاً لأنظمة ولوائح تم استحداثها خصيصاً لتناسب طبيعة التغيير وتساعد في تحقيق الأهداف، فإن القناعات الشخصية ومقاومة التجديد والتطوير تقود البعض للبحث عن الثغرات، والاجتهاد في تفسير النصوص الواضحة من أجل تطويعها لاستيعاب الأفكار القديمة، وخدمة أساليب العمل التقليدية، بحجة تغليب المصلحة العامة، أو تحقيق الغاية التي ينشدها المنظم، في التفاف على النص النظامي الذي لا يقبل الاجتهاد بوجوده.
واللافت أن هذه الممارسات تتوالى بلا تدقيق ولا مراجعة في كثير من الاتحادات، وفي مقدمتها اتحاد كرة القدم ولجانه، باستثناء ما تطلب وزارة الرياضة إيضاحاً بشأنه، ما جعل قرارات اللجان تتأخر وتختلف حيثياتها حسب أطراف القضية، بطريقة لا يمكن معها تمييز القرار الصحيح من الخاطئ، ولا معرفة الإجراء المخالف للأنظمة واللوائح من المتفق معها. وهذا يعود غالباً إلى مقاومة بعض العاملين في اللجان أو أمانة الاتحاد لكل تنظيم جديد يتطلب جهداً من شأنه تغيير طريقة العمل وتطوير أدواتها، بدليل تأجيل النظر في بعض القضايا التي لا تحتمل التأخير، ثم إصدار قرارها قبل انتهاء الموسم بتوقيت يُلحق ضرراً مضاعفاً بأحد أطراف القضية، بدرجة تفوق أثر خصم النقاط من رصيده.
القناعات الشخصية تمتد أيضاً إلى تشكيل فرق العمل، وتفرض اختيار الأعضاء بناء على معايير لا تنتمي إلى المرحلة الجديدة ولا تلبي احتياجاتها؛ إذ بات تكوين لجنة مختصة بأداء مهمة معينة يعتمد على الجانب الاتصالي، وقدرة الشخص على الوصول إلى صاحب القرار في الإدارة وإقناعه بأفضليته، بعيداً عن اعتماد آلية واضحة للبحث عن الكفاءات واستقطابها ضمن فرق العمل. وربما كان في سهولة الطريقة الأولى وخلوها من المتاعب، ما يغري المسؤول باعتمادها، ويغنيه عن بذل مزيد من الجهد.
ما سبق ينطبق على الرجال والنساء من العاملين في المنظومة الرياضية عموماً، وعلى السعوديين وغير السعوديين، وعلى كبار السن والشبان، وعلى كل من يتصدى للعمل أو المشاركة في نشاط يتعلق بالرياضة؛ إذ لا فائدة تُرجَى من الاستعانة بخبير إسباني لكونه يحمل جواز سفر أوروبياً، أو الاستعانة بفتاة ضمن فريق عمل مختص لمجرد أنها أنثى، أو التعاقد مع مسؤول تسويق لأنه يمتلك مليون متابع على منصات التواصل الاجتماعي، أو تعيين أي فرد لا يمتلك الخبرة والمهارات اللازمة لأداء المهمة المسندة إليه، حتى لو كان يتمتع بقدرات خارقة في إجادة اللغات الحية والميتة معاً، ولديه موهبة فذة في التلحين والغناء والرقص، إلى جانب قدرة غير مسبوقة على التنبؤ بأحداث عام 2026 تفوق ميشال حايك؛ لأن الأمر ببساطة يتطلب اختصاصاً وخبرة في المهمة المحددة موضوع الإسناد، وليس استعراضاً بمهارات مختلفة لا تخدم صاحبها في أداء مهمته.
