حقاً، لبنان بلد المعجزات. رمال متحركة من تحت طائر فينيق يحلّق بجناحيه عالياً من فوق أرز شامخ ليعود من جديد في عصر جديد مع رئيس جمهورية ورئيس وزراء وحكومة متنوّعة غير حزبية ووزراؤها معظمهم في المكان المناسب في عصر ذهبي آخر.
بعد طول انتظار وانتخاب الرئيسين والوزراء، نأمل أن يوافق المجلس النيابي على البيان الوزاري كي تبدأ الحكومة بورشة عمل عاجلة لينتفض لبنان من سباته ويعوّض ما مرّ به من تأخير وتضليل وفساد.
القطاعات جميعها في لبنان بحاجة إلى إعادة تأهيل وتحديث وتطوير، لوضعه على السكة الصحيحة، بدءاً بالقطاع الاقتصادي، والصحي، والاجتماعي، والتربوي، والإعلامي، والنقدي، والمصرفي، والاتصالات، والطاقة، والبنى التحتية، وورشة إعمار خاصة في المناطق الجنوبية الحدودية.
تُعد السياحة من أهم القطاعات الاقتصادية الرائدة في العالم، وهي عصب الاقتصاد اللبناني، وتشكّل الركن الأساسي فيه، إذ تُعد واحدة من أهم الصناعات التي تساعد على الدفع بعجلة الاقتصاد والبلد نحو مزيد من التقدّم والنمو والازدهار. فهي تحمل في طيّاتها إمكانات اقتصادية هائلة من أهمها تأمين مصادر دخل لخزينة الدولة. فمن المعروف أن السياحة هي مصدر رئيسي لعائدات النقد الأجنبي، والإيرادات بالعملة الأجنبية، لذا فإن الإيرادات الاقتصادية الفعلية للسياحة قد تصل إلى ضعف أو أضعاف ما هو مسجّل بالأرقام لأنه من الصعب تحديد عدد العاملين في القطاع السياحي، إذ منهم من هم مرتبطون بالسياحة بشكل مباشر كعمال الفنادق والمطاعم... أو بشكل غير مباشر. كما أنها تُعد من القطاعات الأكثر ديناميكية في الاقتصاد العالمي، وتسهم في تشجيع وجذب الاستثمارات وتحفيز الأنشطة الاقتصادية، فامتلاك شركة سياحية أو فندق أو مطعم هو مشروع مربح للغاية إن كانت الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية والبيئية وغيرها ملائمة للاستثمار. لذا؛ لبنان بانتظار السيّاح من الشرق والغرب وكل أقطار العالم وبخاصة الخليجيين منهم الذين اعتادوا أن يفدوا إلى لبنان، بلدهم الثاني. لبنان بلد الأرز، هو بلد سياحي بامتياز في الشرق الأوسط بفضل موقعه الجغرافي وتنوعه الثقافي والطبيعي.
الطريق وعرة أمام الرئيس عون والحكومة العتيدة، والتحديات الاقتصادية والسياحية أكبر من أيّ وقت مضى، بعد أزمات كثيرة تعرّض ويتعرّض لها لبنان منذ عام 2019. فلبنان بحاجة إلى دعم دولي من أجل تحقيق إصلاحات اقتصادية توقف التدهور الاقتصادي والنقدي والمصرفي.
ومن أهم هذه الأزمات وأكثرها تأثيراً الانهيار والتراجع في سعر صرف عملته المحلية، إذ فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98 في المائة من قيمتها إلى متوسط 90 ألفاً أمام الدولار الأميركي الواحد بعد أن استقر سعر الصرف على مدى سنوات كثيرة سابقة على 1500 ليرة لبنانية مقابل الدولار الواحد، ومع هذا الانهيار انهارت الثقة بالنظام المصرفي والمصارف التي كانت يوماً رمزاً للسرية المصرفية والثقة والاستقرار، يوم كان لبنان «سويسرا الشرق» في عصره الذهبي. ومع هذا الانهيار أصبحت المصارف عاجزة عن تلبية السحب بالدولار مما أدّى إلى تآكل مدَّخرات وودائع المودعين. لذلك فإن التحدي الأكبر هو إعادة هيكلة القطاع المصرفي واستعادة ثقة المواطنين والمستثمرين، وهذا يتطلب تعاوناً مع المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، ووضع خطة لإعادة رسملة المصارف وإدارة وسداد الديون السيادية التي تجاوزت 90 مليار دولار أميركي. كما أن انخفاض سعر صرف الليرة أمام الدولار رفع التضخم بشكل مفرط، وسبّب انخفاضاً للقيمة والقوة الشرائية، وارتفاعاً لأسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية بشكل هائل، وهذا يتطلب وضع سياسات عاجلة ورؤية اقتصادية جليّة ومتقدمة.
أما علّة العلل فهي أزمة الكهرباء التي عانى ويعاني منها اللبنانيون وغيرهم الأمرّين على مدى سنوات طويلة، ممّا أدّى إلى انقطاع الكهرباء لساعات طويلة يومياً ولأيام أحياناً، وعجز شركة الكهرباء عن تلبية طلبات المواطنين للتغذية بالكهرباء أدّى إلى انتعاش السوق السوداء، وهذا يعود إلى عقود من سوء الإدارة والفساد، مما جعل إنتاج الكهرباء مكلفاً وغير مستدام وحوَّل أنظار معظم المواطنين القادرين مادياً إلى اللجوء إلى أصحاب المواتير للحصول على تغذية الكهرباء. مطبّات وعقبات كبيرة وملفات كثيرة سيواجهها هذا العهد، على سبيل المثال لا الحصر: سداد اليوروبوند، وملف «توتال» لحفر آبار النفط في لبنان... نأمل أن ينجح في معظمها بناءً على خطاب القَسَم والكفاءة العلمية والسياسية والاجتماعية للوزراء، كما نأمل أن تكون هناك خطة اقتصادية واضحة حديثة ومتطوّرة للسير بهذا البلد نحو النهوض من القاع إلى وجه الأرض.