جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

ماكرون المسالم يتحوّل إلى داعية حرب

استمع إلى المقالة

أن يدلي أهل السياسة بتصريحات غريبة أو غير صحيحة، ولا تتَّسق مع واقع الأحوال فهذا شأنهم في كل الأزمان. لكن أن يتجاوزوا المنطق والمعقول والممكن، فهذا غير مسموح لهم به، ولا يقابل بالصمت وهزّ الرؤوس. هذا أولاً.

وثانياً، ليس غريباً على بعض أهل السياسة أن يُعرفوا ويشتهروا بكونهم حمائم سلام، يسعون إلى بناء جسور التعاون والتواصل والمحبة بين الأمم والشعوب. لكن الغريب أن يتحوّل بعضهم، بين يوم وليلة، إلى دعاة حرب، قد تسبب فناء الحضارة الإنسانية. المقصود بذلك الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بدعوته، مؤخراً في باريس، خلال مؤتمر دولي، إلى تحرك غربي فوري يحول بين روسيا وتحقيق النصر في أوكرانيا، ولو تطلب الأمر، حسب زعمه، إرسال قوات من دول حلف الناتو لتقاتل مع الأوكرانيين!

ما الدافع أو الدوافع وراء هذا التغير المفاجئ والغريب؟

الذين يتذكرون منّا ما صدر من تصريحات، وما تجسّد من مواقف من قبل الرئيس الفرنسي، وما قام به من مبادرات وزيارات وخاصة للعاصمة الروسية موسكو، خلال الأسابيع والأشهر الأولى من الحرب، لا يمكنهم تصديق آذانهم من شدة غرابة تصريحه الأخير وخطورته.

الرئيس ماكرون، من أجل وقف الحرب، كان أول من دعا إلى فنلندنة أوكرانيا. أي بمنحها وضعية فنلنده مع الاتحاد السوفياتي سابقاً، مما يعني منح روسيا بوتين حق الموافقة أو الرفض لقرارات سياستها الخارجية. الرأي قوبل بالرفض من الرئيس الأوكراني، ومن واشنطن ولندن وبقية العواصم الأوروبية.

يوم الأحد الماضي، كان موقف قصر الإليزيه من الحرب في أوكرانيا واضحاً وصريحاً ويتسم بالمعقولية والاتزان: «فرنسا دائماً التزمت مبدأ واحداً. نحن ندعم أوكرانيا، لكننا لن نشنّ حرباً ضد روسيا». في اليوم التالي - الاثنين - ألقى الرئيس ماكرون بذلك الموقف - المبدأ على قارعة الطريق، ودعا أمام 25 من قادة دول حلف الناتو إلى إرسال قواتهم للحرب في أوكرانيا.

فجأة، ينزع الرئيس ماكرون عن نفسه ثوب الداعية للسلم، ويضع مكانه ثوب المحارب وعدّته. وبالتأكيد، يدرك الرئيس ماكرون أن دعوته تلك تعني، حرفياً، فتح كل الأبواب أمام حرب نووية. فهو ليس غبياً، وبالتأكيد ليس متهوراً. ولعلنا لم ننس بعد موقفه العقلاني مما حدث في دول أفريقيا (بوركينا فاسو مثلاً) التي حدثت بها انقلابات عسكرية وطالبت باريس بسحب قواتها العسكرية، فانصاع الرئيس ماكرون للأمر، رافضا الزجَّ بقواته في حرب مهلكة.

وحتى لو افترضنا جدلاً أنه بالغ في الأمر، فإن رجال حكومته من الوزراء والمستشارين والخبراء والجنرالات العسكريين لا يمكن وصفهم بالغباء أو بالتهور.

العواصم الغربية الكبرى رفضت بسرعة الدعوة الماكرونية، وأصدرت بيانات تؤكد أنها لا تنوي ولا تفكر في إرسال قوات إلى أوكرانيا. ولعل أكثر الردود إحراجا للرئيس ماكرون، ما جاء على لسان نائب المستشار الألماني روبرت باتريك حيث قال: «أنا سعيد بأن فرنسا تفكر في كيفية زيادة دعمها لأوكرانيا، لكن لو بإمكاني تقديم نصيحة لهم، قدموا المزيد من الأسلحة». ألمانيا، استناداً إلى تقارير إعلامية غربية، أكثر الدول الأوروبية التي قدمت مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا، وكثيراً ما انتقدت فرنسا على مساعداتها العسكرية المتواضعة.

ليتوانيا، كانت الدولة الوحيدة التي خرجت عن سياق الرفض الغربي، على لسان مستشار لرئيس الحكومة، لمّح فيه إلى استعداد بلاده للاستجابة للمقترح الفرنسي، لأن الموقف، حسب زعمه، يتطلب التفكير خارج الصندوق! من السهل فهم الدوافع وراء ذلك التصريح الليتواني السريع، آخذين في الاعتبار ماضي ليتوانيا، وخوفها من الوقوع بين مخالب الدُّبّ الروسي ثانية.

الناطق الرسمي للرئيس بوتين، ديمتري بيسكوف علّق على المقترح الفرنسي محذراً ومهدداً بقوله: «إذا أرسل الناتو قوات للقتال في أوكرانيا، فإن الحرب ضد الحلفاء ستكون حتمية، وليست احتمالية».

الرئيس الفرنسي ماكرون، من جهة أخرى، ليس غريباً عن الاقتراحات اللافتة للأنظار مؤخراً. وعلى سبيل المثال، دعوته إلى تشكيل ائتلاف دولي ضد إرهاب «حماس». تلك الدعوة مرت من دون أن تترك أثراً.

دعوته الأخيرة لإرسال قوات أوروبية لتحارب ضد القوات الروسية في أوكرانيا، استنادا إلى معلقين بريطانيين، ربما يكون مبعثها الخوف من وصول المترشح الجمهوري دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وانسحاب أميركا من المشكلة الأوكرانية، مما يعني اكتساح القوات الروسية لأوكرانيا. الرئيس ماكرون شدد على أن الحرب في أوكرانيا هي حرب أوروبية بالدرجة الأولى، ودعوته قد تكون استباقاً لما قد يحدث بوصول ترمب إلى السلطة.

حتى وإن كان هذا ماثلاً في الاعتبار، إلا أن اقتراحه يظل خارج سياق الواقع، وغير متوقع لخطورته، بل هو مثار استغراب شديد، وباعث حقاً على القلق.