بندر بن عبد الرحمن بن معمر
كاتب وباحث سعودي مهتم بالتاريخ، له مؤلفات مطبوعة ومقالات وبحوث منشورة. وهو أيضًا رجل أعمال وعضو مجلس إدارة عدد من الشركات، ومستشار لعدة جهات وهيئات.
TT

السعودية وفلسطين... ما الجديد؟

استمع إلى المقالة

ليس سهلاً التنبؤ بمآلات الأحداث حين تعيش في منطقة صراعات ممتدة ومستمرة، خصوصاً حين تطغى الشعارات والمزايدات على لغة المنطق، وقد يكون مفهوماً توظيف التيارات المتقلبة من يسارية وأخرى متدثرة بأردية دينية للتكسب من القضية الفلسطينية؛ لكن يبدو أنَّ قوىً عالميةً رأت في هذه القضية مجالاً - وفي هذا الوقت تحديداً – لتحقيق مكاسب سياسية تخدم مصالحها وأجنداتها الداخلية والانتخابية بالذات!

منذ ثمانينات القرن المنصرم، تحديداً منذ طرح «مشروع فهد للسلام» عام 1981، الذي تحول إلى «مبادرة السلام العربية» عام 2002، والمحاولات والتسريبات الأميركية الإسرائيلية مستمرة للتأثير على موقف السعودية تجاه القضية الفلسطينية، والإيحاء بأن هناك اتصالات سعودية إسرائيلية تتعلق بالشأن الفلسطيني. وعلى الرغم من كل المفاوضات وعمليات التطبيع التي تمَّت بين الدول العربية، بما في ذلك السلطة الفلسطينية وإسرائيل، والتنسيق في أكثر من مجال بين عديد من الدول والمنظمات والفصائل التي تشتم إسرائيل علناً وتتعاون معها سراً، فإنَّ الموقف السعودي ظل مبدئياً وثابتاً. وحين أُعلن رسمياً عن محادثات سعودية رسمية مع الجانب الأميركي لتطبيع العلاقة بين الرياض وتل أبيب أتى ذلك وفق شروط سعودية، وضمن رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لشرق أوسط جديد من دون تقديم تنازلات عن القضية الفلسطينية، بل وأشركت السعودية القيادة الفلسطينية في أجواء تلك المحادثات، وكان هناك تنسيق بين المسؤولين السعوديين والفلسطينيين حول عديد من الملفات.

ومع تصاعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، جمدت السعودية المحادثات رغم المساعي الأميركية والمناورات الإسرائيلية لاستئنافها. وعلى الرغم من كل الإغراءات والعروض الأميركية التي قُدمت للجانب السعودي، والتي شملت وفقًا لمصادر أميركية: الموافقة على تزويد الجيش السعودي بأسلحة متطورة، ودعم البرنامج النووي السعودي، واتفاقات أمنية، وغيرها، وهو ما لم يسبق للحكومة الأميركية أن قدمته لأي طرف مقابل السلام مع إسرائيل، فإن الموقف السعودي لم يتغير أو يتبدل. من هنا علينا التمعن في البيان «التاريخي» للحكومة السعودية الصادر عن وزارة الخارجية يوم 7 فبراير (آب) 2024، الذي جاء ليضع النقاط على الحروف، وليؤكد سيادة القرار السعودي وعدم ارتهانه لأي حسابات خارجية، ولينفي وبشكل قاطع التسريبات والادعاءات التي تحاول مصادر أميركية تمريرها لوسائل الإعلام. وقبل التعمق في مضامين ذلك البيان علينا التوقف عند بعض المحطات التاريخية السعودية تجاه قضية فلسطين:

كان أول المواقف السعودية الرسمية حول قضية فلسطين أثناء المفاوضات الأولى لما عرف لاحقاً باتفاقية جدة، التي جرت في وادي العقيق قرب المدينة المنورة بين الملك عبد العزيز وبريطانيا في أواخر عام 1926، حين اشترط الوفد البريطاني بنداً ضمن الاتفاقية يتضمن الاعتراف بـ«مركز خاص لبريطانيا في فلسطين»، فرفض الملك عبد العزيز ذلك وتوقفت المفاوضات، ثم استؤنفت بعد أشهر عندما تنازل البريطانيون عن شرطهم. وطوال سنوات سعى الملك عبد العزيز من خلال اتصالاته ومراسلاته مع الحكومة البريطانية، واجتماعاته بممثليها، في تبيان خطأ السياسة البريطانية في فلسطين. وعند اندلاع الثورة الفلسطينية ضد الوجود البريطاني عام 1936، اشترك اليهود مع القوات البريطانية في قمع الثورة، فأرسلت الحكومة السعودية معونات عاجلة إلى الفلسطينيين، وكثفت اتصالاتها ببريطانيا والدول المعنية لمعالجة الموقف. وإثر صدور تقرير «اللجنة الملكية لفلسطين» التي شكلتها بريطانيا للتحقيق في أسباب اندلاع تلك الثورة برئاسة اللورد وليام بيل، وكانت أول من اقترح تقسيم فلسطين بين العرب واليهود عام 1937م، أصدر نائب الملك في الحجاز (الأمير) فيصل بن عبد العزيز أمره بتشكيل لجنة في كل مدينة سعودية سميت «لجنة فلسطين»، مهمتها إسماع صوت الشعب السعودي للعالم أجمع، وإمداد الحركة الوطنية الفلسطينية بالمعونات الشعبية رغم اعتراض بريطانيا.

يقول الأديب والمؤرخ السعودي أحمد عبد الغفور عطار: «سعى الملك عبد العزيز إلى نقل قضية فلسطين من نطاقها المحلي العربي إلى النطاق الإسلامي ثم النطاق العالمي...»، ويضيف: «كانت الحكومة السعودية معترفة بفلسطين، وتكتب اسم فلسطين في حقل الأقطار بالجواز السعودي، ولدي جواز برقم 692 صادر في 20 يوليو 1949م كتب فيه ذلك... لم يكن هناك وجود لكيان فلسطين لكن عبد العزيز وحده كان معترفاً به»، هذا الموقف التاريخي وغيره كثير ومتداول للملك المؤسس وأبنائه الملوك من بعده، ومعه القرارات الشُّجاعة والمواقف الحازمة التي اتخذتها المملكة طوال عشرة عقود، مروراً بمشاركة جيشها في حروب 1948، وصد العدوان الثلاثي عام 1956، وحرب 1973، إلى دعمها للمجهود الحربي طوال سنوات الصراع العربي الإسرائيلي، وتوفيرها الدعم الاقتصادي لدول المواجهة وللنضال الفلسطيني، واتخاذها قرارات قطع النفط عامي 1956 و1973، وتقديمها مبادرات السلام، وما تحملته في سبيل كل ذلك، التي لا يمكن لهذه الأسطر المعدودات أن توفيها حقها.

إضافة إلى تأكيدات خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في أكثر من خطاب أنَّ الموقف السعودي من قضية فلسطين ثابت لا يتزحزح، وأنَّها على رأس أولويات السياسة السعودية الخارجية، كما أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان أهمية إقامة الفلسطينيين دولتهم المُستقلة وضمان أن يعيشوا بكرامة، ووقوف السعودية إلى جانب الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة في حياة كريمة وتحقيق آماله وطموحاته من خلال السلام العادل والدائم. وأتى البيان السعودي بشأن محورية إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67، وعاصمتها القدس الشرقية، كمُتطلب رئيس لإحلال السلام في المنطقة، ليقطع الطريق أمام أي مزايدات بشأن موقف المملكة التاريخي الثابت والراسخ تجاه قضية فلسطين ووقوفها الدائم مع حقوق الشعب الفلسطيني وتعزيز صموده وتوفير الحياة الكريمة له. هذا الموقف الذي هو امتداد للوقفات التاريخية السعودية يؤكد عدم تخلي المملكة العربية السعودية عن الدفاع عن حقوق الفلسطينيين مهما كلفها الأمر.

ومنذ بدء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، بذلت السعودية جهدها واتخذت العديد من القرارات، وسعت إلى حشد دعم الدول الكبرى والمؤثرة للوقف الفوري لإطلاق النار، كما استضافت قمة عربية إسلامية استثنائية مشتركة لأول مرة في التاريخ من أجل توحيد الصف الإسلامي والعربي، ومواصلة الضغط لوقف آلة القتل والدمار الإسرائيلية، وكثفت اتصالاتها مع المجتمع الدولي، بالأخص الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، ودعت إلى الإسراع في الاعتراف بدولة فلسطينية مُستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وترى مصادر سعودية أنَّ التسريبات الأميركية الإسرائيلية التي تحاول إيهام الرأي العام بشأن انفتاح المملكة على فكرة إقامة علاقة طبيعية مع إسرائيل، في ظل استمرارها بالعدوان على غزة، تهدف إلى التأثير على الجهد السعودي الرامي إلى تحقيق فوري لإطلاق النار، ويأتي البيان السعودي بما تضمنه من مواقف واضحة وصريحة ليدحض كل المزاعم التي حاولت كل من واشنطن وتل أبيب تسويقها خدمة لمصالحهم وسياساتهم. وليس ببعيد عن هذا الضجيج الذي أثير مع خطة الرئيس الأميركي السابق ترمب المسماة «صفقة القرن» حول الموقف السعودي من فلسطين.

يقول الرئيس الفلسطيني محمود عباس إنَّ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان قال له آنذاك: «نحن معكم من عهد (الملك) عبد العزيز إلى الآن» و«لا حل بدون دولة فلسطينية، عاصمتها القدس، ولا تسمعوا لأي حديث آخر». وكفى بذلك شاهداً على رسوخ الموقف السعودي.

كل هذه الجهود والدعوات والمواقف الشجاعة التي تبذلها وتتبناها القيادة السعودية اليوم، والتي تسعى من خلالها إلى إيقاف العدوان الإسرائيلي والاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية، أرى أنَّها توازي في أهميتها الوقفات التاريخية السعودية تجاه القضية الفلسطينية؛ لكن الجديد أنَّها تأتي في إطار رؤية الأمير محمد بن سلمان الشاملة لاستقرار المنطقة وتصفير أزماتها، تلك الرؤية التي لا يلتف حولها الشعب السعودي فحسب، بل وينادى بها كثير من أبناء شعوب دول المنطقة الذين اكتووا بنيران مآسيها.